English
الرئيسية
عن لم لا؟
اسئلة متكررة
إتصل بنا
قواعد النشر
خارطة الموقع
منوعات

ربّي المخ قبل اللحية



حلول طريفة للقضية الفلسطينية



طرح عطاء لإنشاء دولة فلسطين



السيرة العجيبة للتواصل الاجتماعي؟



كنيسة جوجل!



استغفلونا ونحن صغار


هللويا فلسطين: البابا محمود عباس



فكّر خارج الصندوق ... روعة التفكير



المجدرة والمناقيش والمغربية ... أكلات فلسطينية



تسليات علمية



ثورة "سلو" دعوة تمهّل لعالم ذاهب نحو الهاوية


هل تصدق الرياضيّات؟


تمثال إمرأة فلسطينية


خطبة الهندي الأحمر الأخيرة



الجمعية الفلسطينية لتطبيق حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية


رسومات

تنويعات على العلم الفلسطيني



الرئيسية > اليسار >

إشتراكية القرن الحادي والعشرين

 داود تلحمي
 
 
أسئلة كبيرة تقفز الى الذهن في التعاطي مع الخيار اليساري الجذري، أي خيار تجاوز النظام الرأسمالي، في هذا القرن الجديد: كيف سيجري تجاوز النظام السائد حالياً بعد الإحباطات الناجمة عن انهيارعدد غير قليل من تجارب التحول الإشتراكي في القرن العشرين، وخاصة التجربة الأولى والأكبر، تجربة الإتحاد السوفييتي؟
ماذا ستكون عليه ملامح عملية التحول نحو تجاوز النظام الرأسمالي في هذا القرن، أي عملية التحول نحو المجتمع الإشتراكي، بسماته المتميزة بالضرورة عن التجارب السابقة؟ وهل تفتح الأزمة الإقتصادية العميقة الراهنة للنظام الرأسمالي العالمي على إمكانية حدوث مثل هذه التحولات في أمد قريب؟
 
أولاً، ما ينبغي التأكيد عليه بكل وضوح مجدداً هو أن أية تجارب تحول إشتراكي فيالقرن الجديد ستكون، بالضرورة، مختلفة في جوانب عدة عن تجارب القرن الماضي،وبمعزل عن تقييمنا لتلك التجارب ومدى تأثيرها على أحداث وتطورات القرن العشرينبمجمله، وهو تأثير كبير بكل المعايير. وقد سبق وتناولنا في كتابات سابقةإيجابيات وسلبيات تجارب التحول الإشتراكي السابقة، وخاصة التجربة السوفييتية،التي تبقى، مهما انتهت اليه، حدثاً بالغ الأهمية في القرن الماضي، ترك بصماتقوية على تاريخ العالم كله في مجالات عدة، ليس هنا المجال للعودة للحديث عنهاولكن ما حدث قبل زهاء القرن من الزمن لا يمكن أن يتكرر بالشكل ذاته في عصرناالحالي، لأسباب عديدة، أولها التطور الهائل الذي حدث في العالم خلال هذا القرنعلى كل صعيد، وثانيها أن أية تجربة جديدة ينبغي أن تنطلق من التدقيق في الثغراتوالنواقص والأخطاء، وهي كلمات ربما تكون مخففة، التي أدت الى انهيار التجاربالسابقة. أي ان الإشتراكية الجديدة ينبغي أن تكون ذات سمات مختلفة عن تجاربالقرن الماضي تستخلص دروس هذه التجارب التي انهارت، وتحديداً في مجال التعاملمع مركزية دور الإنسان في عملية التحول الإشتراكي، وليس الدولة أو عمليةالإنتاج.
فالإشتراكية ليست فقط الملكية العامة لوسائل الإنتاج، التي كانت في التجاربالسابقة، في واقع الحال، ملكية الدولة، التي غالباً ما كانت شديدة المركزيةوالإشتراكية ليست فقط تحسيناً في توزيع الخيرات المنتجة على المواطنين، وسعياًالى تقارب أو شبه مساواة بين مستويات معيشتهم. هذا التأكيد هو المدخل الأولوالأهم في مراجعة التجارب السابقة. فهناك جوانب أخرى للتحول الإشتراكي لا تقلأهمية، وهي، بالضرورة، من بين العناصر الأساسية لأية تجربة تحوّل جديدة بعدزهاء القرن على ثورة أكتوبر في روسيا في أواخر العام 1917.
هناك دور الإنسان - المنتج في المجتمع وفي عملية الإنتاج، ومشاركته الضرورية فيالقرار الخاص بهذه العملية، سواء في مكان إنتاجه أو على صعيد مجمل عمليةالإنتاج في البلد المعني، كما مشاركته في مجمل الشأن العام، أي القراراتالسياسية والإجتماعية-الإقتصادية، التي كان المواطنون في تجارب الماضي غالباًمغيبين عنها، وكان مركز القرار العام هو قيادة الحزب الحاكم والدولة، ومراكزقرار الإنتاج التطبيقي في المصانع والمزارع والمنشآت المختلفة هي غالباًالمدراء المشرفين على كل منها، مع رأي استشاري، غالباً ما كان محدود التأثير،في بعض الحالات والتجارب، للعمال أو المنتجين في الموقع المعني.
 
الإنسان، وليست الدولة أو عملية الإنتاج، في مركز عملية البناء الإشتراكي
 
وكما يُورد عدد من المحللين وعلماء الإقتصاد والإجتماع والسياسة الماركسيينالمتابعين لهذه القضايا في كتاباتهم خلال السنوات الأخيرة، فإن القضية المركزيةفي مرحلة الإشتراكية لا يمكن أن تكون مقتصرة على التنافس مع النظام الرأسماليفي الإنتاجية أو تطوير القوى المنتجة والإقتصاد بشكل عام، ولا على توفير ما كانيسمّى بـ"الديمقراطية الإجتماعية"، أي الحق في العمل والضمانات المتعلقةبالتعليم وبالصحة وبالسكن اللائق ورعاية الطفولة والأمومة وضمانات الشيخوخةوغير ذلك من الضمانات الإجتماعية، على أهمية هذه الحقوق والضمانات وضرورتهافالقضية المركزية المهمة، في رأي هؤلاء المحللين أو العلماء، هي قضية "التنميةالإنسانية"، أي توفير إمكانية إزدهار شخصية وطاقات كل فرد في المجتمع بأقصى ماهو ممكن، بحيث تتوفر له فرصة العطاء بدون قيود أو حدود، فيكون المجتمعالإشتراكي بذلك هو مجتمع "المنتجين الأحرار"، وتتوفر لدى كل مواطن فيه إمكانيةتطوير ذاته وتقديم أقصى ما يستطيع للمجتمع وكذلك تأمين احتياجاته الخاصة، ليسفقط المادية، وإنما أيضاً المعنوية و"الروحية"، إذا جاز التعبير. وهذه الفكرةواردة في كتابات كارل ماركس الرئيسية، بما في ذلك في "بيان الحزب الشيوعي" الذيأعده ونشره في العام 1848 مع رفيق دربه فريدريش إنغلز، حيث ورد في ما ورد فيهان "التنمية الحرة لكل فرد هي شرط التنمية الحرة للجميع”.
والفكرة واردة أيضاً في المخطوطة الواسعة المعروفة بالكلمة الأولى لعنوانهاباللغة الألمانية "غروندريسّه"، التي كتبها ماركس بين العامين 1857 و1861كمشروع أولي لبلورة أفكاره حول آليات عمل وخصائص النظام الرأسمالي، وهي مخطوطةجُمعت ونُشرت بعد عدة عقود من وفاته. وتضمنت الـ"غروندريسِّه" الأفكار الرئيسيةلمشروعه الكبير، الذي بدأ في التبلور بصدور كتاب مكثف بعنوان "مساهمة في نقدالإقتصاد السياسي" في العام 1859، والأهم بإصدار الجزء الأول من القسم الأول منكتابه الأهم "رأس المال" في العام 1867. ومعروف أن أجزاء أخرى من هذا القسمنُشرت بعد وفاته إعتماداً على المخطوطات التي تركها، إلا ان ماركس كان يخططلكتابة ستة أقسام حول الجوانب المختلفة لموضوعه، أي رأس المال ونظامه. ومعروفأن الـ"غروندريسّه"، فلم تُنشر إلا في أواسط القرن العشرين، في حوالي تسعمئةصفحة، واكتسبت أهمية خاصة باعتبار أنها تحيط بأفكاره الأوسع حول هذا الموضوع،الذي لم يتمكن من استكمال صياغته خلال حياته.
وكما ذكرنا في مقال سابق، فإن التشخيص التفصيلي الذي قدمه ماركس لآليات عملالنظام الرأسمالي وتناقضاته وأزماته الحتمية المتلاحقة هو تشخيص ما زال يحتفظبقيمته حتى اليوم، لكون النظام الرأسمالي ما زال، بسماته الرئيسية، هو النظامالسائد في العالم. ويشهد على أهمية تحليلات ماركس لهذا النظام تزايد الإهتمامبكتاباته هذه، وليس فقط من قبل الأوساط اليسارية الجذرية، إنما من جمهور أوسع،وحتى من بعض الإقتصاديين غير اليساريين، خاصةً بعد اندلاع الأزمة الإقتصاديةالكبرى في العامين 2007-2008، وهي الأزمة التي لم يتمكن النظام الرأسمالي منتجاوزها حتى الآن.
وكما هو معروف، فإن ماركس، الداعي الى عدم الإكتفاء بتفسير التاريخ بل الىالعمل على تغييره، وضع تناقضات النظام الرأسمالي الكبيرة، وغير القابلة للحلالمستدام في إطارالنظام نفسه، في سياق رؤيته لضرورة تجاوز هذا النظام واستبدالهبنظام جديد خالٍ من استغلال أقلية من البشر لجهد الأغلبية، وهو النظام الذييُعرف باسم النظام الإشتراكي، أو مرحلة التحول الإشتراكي. وبطبيعة الحال، فإنالتغيير الأساسي في عملية التحول هذه تتجسد في انتقال زمام القرار والأمور منأقلية صغيرة تسيطر على كل الثروات والقرارات والمصائر في النظام الرأسمالي الىالأغلبية الكبيرة من المجتمع، أولئك الذين ينتجون في شتى المجالات بجهدهم، وليسبمجرد إستثمار أموالهم أو باستخدام سطوتهم السلطوية والمالية. ومن هنا، فإنهذا النظام الجديد سيكون، بالضرورة، أكثر ديمقراطية من أكثر الأنظمةالبورجوازية ديمقراطية، كما قال فلاديمير لينين في كتابه الشهير "الدولةوالثورة" الذي صدر خلال صيف العام 1917 بين ثورة شباط/فبراير من العام ذاته فيروسيا القيصرية وثورة أكتوبر الشهيرة اللاحقة التي كان لينين أبرز قادتها. وأكدلينين في كتابه هذا أن "الديمقراطية في المجتمع الرأسمالي... هي ديمقراطيةلأقلية صغيرة، ديمقراطية للأثرياء"، بينما تقوم الثورة الإشتراكية بتوسعةالديمقراطية لتصبح "ديمقراطية الفقراء، ديمقراطية للقطاعات الشعبية"، حسبتعبيره.
وهنا ينبغي قول كلمات قليلة حول مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا"، الذي يحدثالتباساً لدى بعض الناس، حيث يُقرن مرحلة التحول الإشتراكي بضرورة وجود نظامقمعي بوليسي، وهو المفهوم المتداول عادة لكلمة "ديكتاتورية". والواقع، وهو ماأوضحه لينين في كتابه ذاته، ان الفكر الماركسي يعتبر أن كل دولة هي، بالضرورة،ديكتاتورية طبقة أو تحالف طبقي، وأن كل الدول التي كانت قائمة منذ آلاف السنواتوحتى نشوء النظام الإشتراكي هي ديكتاتورية أقلية نافذة على أغلبية المواطنين،سواء أكانوا العبيد أو الأقنان أو العمال والشغيلة في النظام الرأسماليوبالتالي، فإن الديمقراطية والحرية الكاملتين لا تتحققان إلا بزوال الدولة، وهيعملية طويلة الأمد، حتى بعد بدء عملية التحول الإشتراكي، التي يُفترض أن تبدأفيها عملية "الذبول" التدريجي للدولة، والتي تتحقق خلالها أوسع ديمقراطيةللغالبية الساحقة من الشعب، لأول مرة في التاريخ، الى أن تنتهي عملية التحولالطويلة نسبياً هذه بزوال الدولة، إيذاناً بتحقيق الحرية الكاملة.
ولكن كل ذلك هو الآن في مجال الغيب والمستقبل غير المرئي، والذي لا يمكن التنبؤبه. المهم التأكيد أن مرحلة التحول الإشتراكي ليست أبداً، ولا ينبغي أن تكون،مرحلة قمع يُمارس على الشعب أو غالبيته، وإن كانت هناك تحديات خارجية، وداخليةبحدود معينة، تتطلب إجراءات دفاعية عن التجربة، دون المساس بالحقوق والحرياتالديمقراطية للغالبية المنتجة من الشعب خلال هذه المرحلة.
 
ديمقراطية "شعبية تشاركية"، بديلاً عن ديمقراطية الأثرياء والأقلية النافذة
 
وبما اننا لن نعود هنا الى تناول السياقات التاريخية التي جعلت التجربةالسوفييتية، وغيرها من التجارب الشبيهة، تفتقر الى ذلك الجانب الذي تحدث عنهلينين في كتابه المشار إليه أعلاه، حيث سبق وتناولناها في كتابات أخرى، منالمهم التأكيد هنا أن تجارب التحول الإشتراكي الجديدة المحتملة في هذا القرنالجديد وفي أي مستقبل، قريب أو أقل قرباً، ينبغي أن تركّز على هذا الجانب، أيعلى جانب تحقيق الديمقراطية الشعبية الحقيقية بكل أبعادها، السياسيةوالإقتصادية والإجتماعية والثقافية والفكرية.
وهي ديمقراطية مختلفة، بالضرورة، عما تجري ممارسته في بلدان النظام الرأسمالي،بالرغم من أن جوانب هامة من هامش الحريات الديمقراطية في هذه البلدان تمانتزاعه بفعل نضالات القطاعات الشعبية والفئات المستنيرة طوال قرون طويلة منالصراعات، الدموية أحياناً. دون أن نغفل أن هذه الحريات الديمقراطية في البلدانالرأسمالية تبقى معرّضةً باستمرار للنهش والإنتقاص والإفراغ من مضمونها من قبلالشرائح الحاكمة والمسيطرة في هذه البلدان، بحيث تصبح هذه الحريات الديمقراطيةشكلية الى حد كبير في عدة مجالات. وسنتناول في ما يلي بعض النماذج التوضيحية.
لنأخذ، مثلاً، عمليات الإنتخاب للهيئات التشريعية والتنفيذية في الولاياتالمتحدة، كبرى الدول الرأسمالية التي تفاخر بـ"ديمقراطيتها" المتميزة، وتقومحتى بشن حروب في أنحاء العالم تحت راية هذه الديمقراطية أو بحجة نشرهاوتعميمها. وهو إدعاء أيديولوجي، طبعاً، يغطي حقيقة الأهداف الإستراتيجيةوالإقتصادية لهذه الحروب، التي تستهدف عادة خدمة مصالح الكتل الرأسمالية الكبرىالمسيطرة داخل الولايات المتحدة نفسها. ومعروف أن عدة مناطق في العالم شهدتخلال العقدين الأخيرين، بما فيها منطقتنا العربية - الشرق متوسطية، حروباً منهذا النوع استهدفت بشكل رئيسي تأمين السيطرة الأميركية المباشرة على مصادرالطاقة الهامة في المنطقة، وخاصة المنطقة الخليجية، والمقصود طبعاً النفطوالغاز الطبيعي، كما استهدفت استباق تنامي قوى عالمية منافسة للولايات المتحدةعلى أي صعيد، إقتصادي أو عسكري استراتيجي.
وقد عبّرت عن هذا التوجه بوضوح عدة وثائق أميركية باتت الآن معروفة، وإحدىأبرزها تلك الوثيقة الشهيرة التي تسرّبت من وزارة الدفاع الأميركية ونُشرتبنسختها الأولى الفجة في إحدى الصحف الأميركية الرئيسية في 7/3/1992، وتضمنترؤية استراتيجية مستقبلية للسياسات العسكريةالإستراتيجية الأميركية تركّزعلى الحفاظ على التفرد الأميركي بالهيمنة الكونية ومنع نشوء قوى منافسةللولايات المتحدة. وهذه الوثيقة معروفة الآن باسم "عقيدة وولفوويتز"، على اسمالمشرف الرئيسي على إعدادها، بول وولفوويتز الشهير، الذي كان آنذاك مساعد وزيرالدفاع لشؤون السياسات في إدارة جورج بوش الأب، وأصبح لاحقاً في إدارة جورج بوشالإبن نائباً لوزير الدفاع، بين مطلع العام 2001 وأواسط العام 2005، وهيالفترة التي شهدت بدء الحربين الأميركيتين على أفغانستان والعراق.
ولنعد الى العمليات الإنتخابية في الولايات المتحدة: معروف أن الولايات المتحدةتشهد، كل عامين، تجديد انتخاب كافة أعضاء مجلس النواب وحوالي ثلث أعضاء مجلسالشيوخ وعدد من حكام الولايات والهيئات الإقليمية والمحلية فيها، وكل أربعةأعوام، تشهد عملية انتخاب أو تجديد انتخاب رئيس الدولة الإتحادية، والتجديد هولمرة واحدة فقط وفق الدستور الأميركي. لكن هذه الديمقراطية بالتمثيل، أي عبرانتخاب ممثلين عن الناخبين، تعتورها مشكلات كبيرة: فالعنصر الحاسم في غالبالحالات في العمليات الإنتخابية هو التمويل، الذي يمكّن المرشح من أن يقومبحملة دعاوية واسعة، سواء في تجمعات يشارك فيها مباشرة، أو عبر وسائل الإعلاموالدعاية، المكتوبة والمسموعة، والأهم المرئية- المسموعة، وخاصة شبكاتالتلفزيون، الى جانب شبكة الإنترنت في العقدين الأخيرين. وممولو الحملاتالإنتخابية يلعبون، بالتالي، دوراً مهماً في إنجاح أو إفشال أي مرشح، عبر حجبالأموال عنه في الحالة الأخيرة. والممولون هم، في الغالب، مرتبطون بمؤسساتإقتصادية أو كتل مصالح كبرى، تعبّر عن نفسها أحياناً بشكل "كتلة ضغط"، أولوبي"، كما تسمّى هناك، وبعضها يعمل من خلال ما يسمّى "لجان العمل السياسيالتي نما دورها بعد فضيحة ووترغيت واستقالة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون فيالعام 1974، وهي لجان تتيح للأفراد التكتل لتقديم الدعم للمرشحين.
ويتزايد، عاماً بعد عام، حجم الأموال التي تنفقها كتل الضغط للتأثير علىالعمليات الإنتخابية أو دفع التصويت لصالح قضايا أو ضد قضايا أخرى في مجلسيالنواب والشيوخ. ففي حين بلغ حجم الأموال التي أنفقتها كتل الضغط المختلفة فيالعام 1998 أقل قليلاُ من مليار ونصف المليار دولار، وصل هذا الرقم الى ثلاثةمليارات ونصف المليار دولار في العام 2009، بالرغم من الأزمة الماليةوالإقتصادية، التي انفجرت في الأساس في الولايات المتحدة نفسها قبل ذلك العامبأشهر قليلة. وقائمة كبار الممولين للحملات الإنتخابية ولعمليات الضغط علىالنواب والشيوخ المنتخبين تضم كبرى الشركات والمؤسسات في الولايات المتحدة فيشتى مجالات المال والصناعة والإنتاج والخدمات، وأسماؤها وأرقام تمويلها موجودةعلى بعض المواقع المتخصصة بتعقب التمويل وكتل الضغط على شبكة الإنترنت.
وتُظهر بعض مواقع الإنترنت الأميركية في ما تُظهر أن 66 بالمئة من أعضاء مجلسالشيوخ الأميركي حالياً، أي قبل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر من العام الحالي 2010، هم من أصحاب الملايين، وأكثرهم ثراء هو هيرب كول، العضو في الحزبالديمقراطي، حزب الرئيس الحالي أوباما. في حين هناك 240 مليونيراً في مجلسالنواب الذي يضم 435 عضواً، أي ان أكثر من نصف أعضائه هم من أصحاب ثروة لا تقلعن المليون دولار. وهو ما يعني أن الفئات الشعبية الواسعة، وكذلك الطبقةالمتوسطة، وفق التعبير المستعمل هناك، غائبة أو محدودة الحضور في الهيئاتالتشريعية الأميركية، التي هي مسيطر عليها بشكل واسع من قبل الأثرياء.
وبذلك يبدو واضحاً أن الناخبين الذين تستهدف الحملات الإنتخابية في وسائلالإعلام كسب أصواتهم ليسوا، في النهاية، سوى منصات صعود للنواب والشيوخ، الذينيعمل غالبيتهم بعد انتخابهم، باستثناءات قليلة، لتلبية رغبات مموليهم أكثر منمصالح أولئك الذين انتخبوهم. ومن هنا نفهم ظاهرة الإستنكاف المتزايد من قبلقطاعات واسعة من المواطنين الأميركيين عن المشاركة في عمليات الإقتراع خلالالعقود الأخيرة.
ففي حين كانت نسبة المقترعين فعلياً لمجمل أصحاب الحق في الإقتراع فيالإنتخابات الرئاسية في العام 1960 أقل قليلاً من 63 بالمئة من أصحاب حقالإقتراع، لم تكفّ هذه النسبة عن التراجع منذ ذلك العام. وكانت هذه النسبة فيالعام 1996، مثلاً، أقل من 50 بالمئة. هذا، فيما تشهد الإنتخابات النيابيةإقبالاً أقل من الناخبين. حيث كانت نسبة المشاركين في غالب الحالات في العقودالماضية أقل من النصف من أصحاب حق الإقتراع، وأحياناً أقل من الثلث، وهو ما كانعليه الحال، مثلاً، في العام 1990، حين كانت النسبة بالكاد أكثر قليلاً من 33بالمئة ولكن أقل من الثلث، وفي العام 1998 كانت حتى أقل من 33 بالمئة. وتتزايدنسبة المشاركة في الإنتخابات الرئاسية في الحالات التي تبدو فيها هناك فروقاتواضحة بين المرشحين الرئيسيين أو هناك أوضاع استثنائية تتطلب تغييراً معيناً،وهو ما كان عليه الحال في الإنتخابات الأخيرة في العام 2008، حيث بلغت نسبةالمشاركة في الإنتخابات الرئاسية 62 بالمئة.
لكن هذه النسبة ليست بالتأكيد ثابتة، خاصة وأن رهانات بعض الأوساط الشابة وتلكالمتطلعة لتغيير حقيقي في أوضاع البلد، وهو التغيير الذي كان عنوان حملة باراكأوباما الإنتخابية، هذه الرهانات تبدو الآن وكأنها "ذهبت مع الريح"، وفقالعنوان المعروف لإحدى الروايات والأفلام التاريخية الأميركية الشهيرة. ومعروفأن شعار أوباما الرئيسي خلال حملته كان"يِس، وِي كانْ"، أي "نعم، نحن نستطيع،أي نستطيع التغيير. لكن التغيير المأمول لا يبدو مرئياً كثيراً حتى الآن في أيمجال، حيث لم يُحدث أوباما أية إنعطافات كبيرة في سياسات سلفه الجمهوري. وهو ماجعل الكاتب اليساري الباكستاني المولد البريطاني الإقامة والجنسية، طارق علي،ينشر مقالاً مطولاً عن هذه الإدارة ورئيسها في العدد الأول لهذا العام 2010 منمجلة "نيو ليفت ريفيو" اليسارية اللندنية، التي يشارك في هيئة تحريرها، تحتعنوان "بريزيدانت أوف كانت"، أي "رئيس الـ-لا نستطيع-“! 
وجدير بالإشارة، في سياق الحديث عن تمويل الحملات الإنتخابية، أن محكمة العدلالعليا في الولايات المتحدة، وهي أعلى هيئة قضائية هناك، أصدرت في الشهر الأولمن العام الحالي 2010 حكماً يفسح مجالاً أوسع للشركات الكبرى لتمويل الحملاتالإنتخابية، وهو قرار يعزّز، بطبيعة الحال، دور كبار الأثرياء والشركات الكبرى،ويضع علامات استفهام متزايدة حول المضمون الفعلي لـ"ديمقراطية" العملياتالإنتخابية في هذا البلد. وهو قرار عجيب يتناقض حتى مع التقاليد المتبعة في عددمن الدول الأوروبية الغربية، الى درجة أنه استفز حتى الرئيس الحالي باراكأوباما، الذي انتقده علناً، بما في ذلك في خطابه السنوي حول حالة الأمة أمامالكونغرس يوم 27/1/2010. حيث قال في هذا الخطاب ان هذا القرار هو "انتصار كبيرلشركات النفط الكبرى، وبنوك وول ستريت... ومراكز نفوذ ومصالح أخرى"، في محاولةمنه لإعادة استمالة الشركات والمشاريع الأصغر والفئات الوسطى من المجتمعولاستنهاض القطاعات المستنكفة عن المشاركة في الإقتراع والمنتمية بالأساسللفئات الشعبية المتضررة من الأزمة الإقتصادية وتزايد نسبة البطالة في صفوفها،ومن سياسات الإدارات المتعاقبة الإقتصادية والإجتماعية، وهي قطاعات يعتمد الحزبالديمقراطي على أصوات قسم مهم منها.
هذا مع العلم بأن كلا الحزبينالرئيسيين، الديمقراطي والجمهوري على حد سواء،يتلقيان الدعم من المؤسسات والشركات الكبرى. إلا ان أغناها تميل عادةً لصالحالحزب الجمهوري، الذي يمكن اعتباره أكثر يمينية من الحزب الديمقراطي، الذي ليس،بالطبع، حزباً يسارياً، ولا حتى في موقع يسار الوسط، وفق التصنيف الرائج في دولأخرى.
وبعض الشركات الأميركية الكبرى يحتاط للمستقبل، فيتبرع لكلا الحزبين الرئيسيينفي الإنتخابات: فبين العام 1989 والعام 2010، قدّمت مجموعة غولدمان ساكسالعاملة في مجال الإستثمار والخدمات المصرفية والمالية، والتي جاءت في المرتبةالخامسة بين مجمل المتبرعين من حيث حجم المساهمة في هذا "التمويل السياسي"، 62بالمئة من "تبرعاتها" الإجمالية خلال هذه الفترة للحزب الديمقراطي و36 بالمئةللحزب الجمهوري. وهو ما يمكن أن يفسّر حجم المساعدات الرسمية التي تلقاها هذاالبنك في كلا العامين 2008 و2009، أي في عهدي بوش وأوباما على حد سواء، لدعموضعه المالي خلال الأزمة الإقتصادية. هذا في حين تميل شركات النفط الكبرىلتفضيل الحزب الجمهوري، حيث موّلت شركة تشيفرون خلال الفترة الزمنية ذاتها هذاالحزب بنسبة 75 بالمئة مقابل 24 بالمئة للحزب الديمقراطي، في حين وصل حجم تبرعشركة إكسسون موبيل، الشركة النفطية الأكبر والأغنى في العالم، الى نسبة 85بالمئة لصالح الحزب الجمهوري مقابل 14 بالمئة فقط للحزب الديمقراطي. والشركتانالمذكورتان هما من بين أكبر أربع شركات عالمية تعمل في مجالي النفط والغاز، معشركتي "شل" الهولندية - البريطانية و"بريتيش بتروليوم" البريطانية. والأخيرةربما تكون مهددة بتراجع مكانتها بعد خسائرها الكبيرة في قضية التسرب النفطيالأخيرة في خليج المكسيك بالقرب من الشواطئ الأميركية الجنوبية.
كل هذه الشركات والعديد غيرها، مثل شركات صناعة السلاح والطيران والمصارفوالمؤسسات المالية وغيرها، تؤثر بشكل حاسم على قرارات أعضاء الكونغرس، كما،بالطبع، على قرارات الرئيس، الذي يعتمد هو أيضاً على تمويل حملاته الإنتخابية،بما في ذلك، حملته القادمة المتوقعة لإعادة انتخابه في العام 2012، والتي لا بدأنه يفكر فيه من الآن. ومن هنا نفهم غضبه على قرار محكمة العدل العليا بشأنتوسيع تمويل الشركات الكبرى للحملات الإنتخابية، حيث من المتوقع أن يصب هذاالقرار لصالح الجمهوريين أكثر من الديمقراطيين، بالرغم مما رأيناه من تمويلمؤسسات مالية كبرى للحزب الديمقراطي.
وفي ما يتعلق بقضايا منطقتنا، رأينا في العقود الماضية بصورة واضحة كيف تمكناللوبي الموالي لإسرائيل، والمعروف بالأحرف الأولى لاسمه "إيباك"، من إفشالمرشحين معينين للإنتخابات في الولايات المتحدة على أرضية مواقفهم المنتقدةلإسرائيل أو المعارضة لبعض سياساتها أو المتعاطفة مع حقوق الشعب الفلسطينيومجمل الحقوق العربية، أو حتى الحيادية في الصراع العربي – الإسرائيلي. معالعلم بأن الأعوام القليلة الماضية شهدت تزايداً ملحوظاً في الأدبيات المنتقدةلدور هذا اللوبي وتأثيره على القرار السياسي الأميركي بشأن قضايا الشرق الأوسط،بما في ذلك بشأن المواقف من العراق وإيران ومجمل قضايا المنطقة. ونشير هنا، منبين هذه الأدبيات الجديدة، الى الكتاب الشهير للأستاذين الجامعيين جون ميرشايمروستيفن والت حول "اللوبي الإسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية"، الذيصدر في العام 2007، بعد أن نشرا مقالاً مطولاً حول الموضوع ذاته في مجلة "لندنريفيو أوف بوكس" قبل ذلك بعام واحد. وهذان الأستاذان لا يمكن تصنيفهما في خانةاليسار الأميركي المناهض للإمبريالية، على غرار أناس مثل عالم الألسنيات الشهيرنوام تشومسكي. ولكن مجمل هذه الأصوات النقدية للسياسات الأميركية المنحازةلإسرائيل، رغم تناميها، لم تصل بعد الى حد تشكيل منافسة جدية للوبي الإسرائيلي،ولكنها مؤشر على بدايات تغيير يمكن أن يتطور في المستقبل.
وهناك، الى جانب اللوبي الموالي لإسرائيل، "لوبيات" أخرى ناشطة ومؤثرة في أروقةمراكز القرار في واشنطن، من بين أهمها لوبي الدفاع عن حرية شراء السلاح، وهويميل عادةً لتمويل الحزب الجمهوري بنسبة عالية. وخلف العديد من هذه اللوبيات،هناك كتل وشركات ومصالح إقتصادية كبرى، وهي تقوم بتمويل مباشر أو عبر قنواتمتعددة لعدد كبير من المرشحين. وهكذا يكون تأثير هذه الشركات على الممثلينالمنتخبين، الشيوخ والنواب والرئيس وحكام الولايات وهيئاتها الإقليمية، أضعافأضعاف تأثير الناخبين العاديين، الذين، كما سبق وأشرنا، يتحولون الى مجرد واجهةديمقراطية" شكلية لنظام هو في الواقع ديمقراطية للأثرياء بالدرجة الأولى.
وهكذا إذاً، يعتمد الحزبان الكبيران في الولايات المتحدة كلاهما على دعمالشركات الكبرى، ويدافعان عن مصالح هذه الكتل أو تلك. وهناك فروقات محدودة بينسياسات الحزبين، بالتالي، الداخلية والخارجية على حد سواء، مع الأخذ بعينالإعتبار أن الحزب الديمقراطي يجذب بعض الأقليات العرقية والقومية والإثنيةأكثر من الجمهوري، مثل الأفارقة الأميركيين والى حد ما مهاجري أميركااللاتينية، الى جانب بعض الأوساط الليبرالية، بالمعنى السياسي للكلمة، ولكنهيبقى حزباً يمثل، بالدرجة الأولى، مصالح الشركات الكبرى، مع ميل لحضور محدودلبعض الحالات التي يمكن أن تُحسب على اليسار أو يسار الوسط في صفوفه، مثل عضومجلس النواب والمرشح السابق، قليل الحظ والأصوات، لترشيح الحزب الديمقراطيللرئاسة، دينيس كوسينيتش. هذا في حين يزداد ميل الحزب الجمهوري لتمثيل اليمينواليمين المتطرف، بما في ذلك التيار المسيحي الرجعي الموالي لإسرائيل، والتياراليميني المتطرف الجديد الذي يُطلق على نفسه اسم "حفلة الشاي”.
ومن المعروف أن غالبية الأميركيين اليهود يصوتون عادةً للحزب الديمقراطي، بسببنزعة "ليبرالية" سياسية غالبة لدى قسم كبير منهم في العديد من القضايا، ما عداقضية إسرائيل بالنسبة لغالبيتهم العظمى. لكن بعض الممثلين المنتخبين منالأميركيين اليهود يمثّل الجناح اليميني في الحزب الديمقراطي، كما هو حال عضومجلس الشيوخ والمرشح السابق لنيابة الرئاسة في العام 2000، جوزيف، أو جو،ليبرمان. وفي بعض الحالات، خاصة عندما يبدي المرشح الجمهوري للرئاسة ولاءًمبالغاً فيه لإسرائيل ومصالحها وسياساتها، تزداد نسبة الأميركيين اليهودالمصوتين للحزب الجمهوري، وهو ما حصل مع الرئيسين السابقين رونالد ريغن فيالثمانينيات الماضية وجورج بوش الإبن في مطلع القرن الجديد. ولكن غالبيةالأميركيين اليهود بقيت تصوت للحزب الديمقراطي، بما في ذلك في العام 2008، عامانتخاب باراك أوباما.
ونستذكر هنا الجدل الذي جرى في الإدارة الأميركية في العام 1948 عشية إعلانالحركة الصهيونية في فلسطين عن قيام دولة إسرائيل، حيث عارض وزير الخارجية،آنذاك، جورج مارشال، بحدة إعتراف الولايات المتحدة السريع بالدولة الصهيونيةمعبّراً عن مخاوفه من الإنعكاسات السلبية المحتملة لقرار كهذا على المصالحالأميركية المتزايدة في البلدان العربية، في حين أصرّ الرئيس، آنذاك، هاريترومان، وهو من الحزب الديمقراطي، على الإعتراف السريع بدولة إسرائيل، قائلاًبأن لديه ناخبين يهود في الإنتخابات الرئاسية القريبة المقررة بعد ذلك بأقل منستة أشهر، ولكن ليس لديه ناخبون عرب! طبعاً، هناك اعتبارات وحسابات أخرى لهذاالخيار الأميركي، ليس هنا المجال للخوض فيها.
 
هل باتت "السلطة الرابعة" في البلدان الرأسمالية في قبضة الكتل المالية؟
 
ومن المفيد في هذا المجال الحديث أيضاً عن مآل الصحافة ووسائل الإعلام الكبرىفي البلدان الرأسمالية المتطورة، وتلك الأقل تطوراً، والتي باتت في معظمهاملكاً لشركات كبرى أو لمتمولين كبار، يسيطرون أحياناً على العديد من وسائلالإعلام في البلد نفسه، كما هو حال سيلفيو بيرلوسكوني، رئيس وزراء إيطاليااليميني الحالي، الذي يسيطر على عدد من شبكات التلفزة ووسائل الإعلام الإيطاليةالرئيسية، أو في عدة بلدان، كما هو الحال، على سبيل المثال لا الحصر، بالنسبةلمؤسسة بيرتيلزمان الألمانية التي بدأت في العام 1835 كمشروع ألماني محلي وهيالآن تمتد في مجال وسائل الإعلام المختلفة، المكتوبة والمسموعة والمرئية، وفيمجال طباعة وتوزيع الكتب وتسجيلات الموسيقى وغيرها، الى 63 بلداً في أنحاءالعالم. وهناك كذلك مجموعة أكسل شبرينغر، الألمانية المنشأ أيضاً، التي تسيطرحالياً على وسائل الإعلام في 36 بلداً، خاصة في أوروبا، بما في ذلك في روسياوالأمر نفسه ينطبق أيضاً على الأسترالي المولد روبيرت ميردوك الذي بدأ بتملكصحف أسترالية، ليتمدد بعد ذلك الى بريطانيا والولايات المتحدة ودول آسيويةوغيرها من خلال شبكته المعروفة باسم "نيوز كوربوريشن". ويمكن الحديث عن أمثلةعديدة أخرى في بلدان العالم المختلفة، وعن المؤسسات الضخمة التي التهمت معظموسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة.
ويصبح طريفاً، في وضع كهذا، استمرار الحديث عن "سلطة رابعة" في عصرنا الحالي،في الوقت الذي يتمدد فيه أخطبوط المال ليسيطر على هذه "السلطة"، كما علىالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وحتى الى حد كبير وبوسائل ملتوية على السلطةالقضائية، وفق النماذج التي تحدثنا عن بعضها أعلاه. وقد شهدت العقود الثلاثةالأخيرة من تطبيقات "الليبرالية الجديدة" في البلدان الرأسمالية اتساعاً هائلاًلهيمنة رأس المال المالي على قطاعات التأثير المختلفة في هذه البلدان وإضعافاًكبيراً للمعارضين له.
وهناك العديد من المتابعين اليساريين لهذه الظواهر، حتى في الولايات المتحدة،مثل مجلة "مانثلي ريفيو" اليسارية ومنابر يسارية متعددة على شبكة الإنترنت،وهناك العديد من المثقفين اليساريين الذين يقومون بكشف وفضح جوانب مختلفة منهذه الهيمنة وتراجع الحريات الديمقراطية، أو تفريغها من مضمونها، في الولاياتالمتحدة وغيرها من البلدانالرأسمالية، بدرجات متفاوتة. ولكن أصواتهم، وإن كانتقد ارتفعت بعض الشيء مع انفجار الأزمة الإقتصادية العالمية الجديدة في العامين 2007-2008، تبقى محصورة مقارنة بالمنابر الكبرى التي يسيطر عليها اليمينالرأسمالي والشركات الكبرى. ومع ان تطور شبكة الإنترنت يفسح المجال لمزيد منالمشاركة في التعبير عن المواقف من قبل أي مواطن، مهما كانت آراؤه، إلا أن لدىأساطين النظام الرأسمالي من الإمكانيات المالية لمواجهة هذه الظاهرة الجديدةوإبقائها في حدود معينة لا تؤثر على استمرارية هيمنة النظام السائد.
وربما من المفيد هنا الإشارة الى ظاهرة مخرج سينمائي أميركي يتعامل بالأساس معالسينما التوثيقية التسجيلية ويحمل مواقف مناهضة لجوانب عديدة من النظامالرأسمالي السائد، وهو مايكل مور، الذي أخرج فيلماً من هذا النوع تناول هجمات 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن وخلفيات سياسات إدارة جورج بوش الإبن وحروبهالخارجية، حيث وصل الفيلم الى مستوى من النجاح جعله يحوز على الجائزة الكبرى فيمهرجان كان السينمائي الشهير في العام 2004. كما قام المخرج ذاته بعد ذلكبإنجاز فيلم تناول نظام الضمان، أو بالأحرى اللاضمان، الصحي في الولاياتالمتحدة، يتضمن نقداً حاداً لعمليات الخداع والنصب الممارسة بحق المواطنين منقبل الشركات والمؤسسات التي تتاجر بصحتهم وأموالهم. وفي لقطة سريعة في هذاالفيلم، وهو يحمل عنوان "سيكو"، يظهر المخرج مايكل مور، الى جانب ضريح كارلماركس في لندن، في إشارة ملفتة للإنتباه ومعبّرة من قبله. وقد واصل بعد ذلكحملته السينمائية النقدية، فأخرج في العام 2009 فيلماً بعنوانالرأسمالية...قصة حب"، وهو عنوان ساخر طبعاً، يتناول الأزمة الماليةالإقتصادية الراهنة التي انفجرت في الولايات المتحدة، عبر تقديم نماذج ملموسةمن استغلال المواطنين وإفقارهم من قبل أصحاب رأس المال في بلده، وينهي الفيلمبتصوير منطقة "وول ستريت" في نيويورك، حي البورصة والمضاربات المالية والمصارف،والمركز المالي الرئيسي في العالم الرأسمالي، محاطة من قبله بشريط وقائي علىغرار الطوق الذي تضعه الشرطة الجنائية عادةً حول المناطق التي ترتكب فيهاالجرائم الكبيرة
ويمكن الحديث عن مخرجين سينمائيين آخرين غيره يتخذون مواقف قريبة من هذا المنهجالنقدي للنظام الرأسمالي، من بينهم المخرج الأميركي الشهير أوليفر ستون، الذيأخرج فيلماً في العام 2003 عن فيديل كاسترو أجرى فيه مقابلات مباشرة معه، كماقام مؤخراً بإخراج فيلم آخر عن صعود اليسار في أميركا اللاتينية تضمن لقاءات معقادة يساريين لعدة دول في تلك المنطقة، وخاصةً رئيس فنزويلا الحالي أوغوتشافيس، الذي شارك شخصياً مع المخرج في حضور عرض الفيلم في مهرجان البندقيةالسينمائي السنوي في أواخر العام 2009. كما قام ستون في العام الحالي 2010بإخراج فيلم روائي عن الأزمة الإقتصادية بعنوان "وول ستريت: المال لا ينامأبداً". وكان قد سبق وأخرج فيلماً في العام 1987 حقق نجاحاً كبيراً وحصل علىجائزة أوسكار حمل عنوان "وول سترتيت"، بحيث يمكن اعتبار الفيلم الجديد امتداداًله وتوضيحاً لخيارات المخرج السياسية.
كما يمكن الحديث أيضاً عن المخرج السينمائي البريطاني اليساري الشهير كين لوتش،وعن آخرين من مخرجي السينما في أنحاء العالم الذي يقدمون في أفلامهم قضاياالفئات المهمشة والمحرومة في مجتمعاتهم ونضالات شعوب العالم ضد إرهاب المحتلينوالمتجبرين والمستغلين في مختلف القارات.
ودون أن نكون، بالضرورة، متوافقين مع كافة أفكار وخيارات هذا المخرج السينمائيأو ذاك، إلا إن للموضوع أهمية خاصة لكون السينما أداة تأثير جماهيري واسع، كماهو حال التلفزيون. لكن اليمين الرأسمالي، بطبيعة الحال، لديه من الإمكانياتالمالية الهائلة ما يسمح له بغض النظر عن هذه الظواهر، مع محاولة محاصرتها،أحياناً بطرق فجة وأحياناً أخرى بأساليب ملتوية، عبر التحكم مثلاً في عمليةالتوزيع. وفي الوقت ذاته، يقوم الممولون والمنتجون اليمينيون بتشجيع وتمويلصانعي الأفلام وموجهي شبكات التلفزيون المناصرين لرأس المال ولحروب الولاياتالمتحدة الخارجية ومجمل سياساتها، وهؤلاء ما زال لديهم تأثير كبير في بلد مثلالولايات المتحدة، وغيرها من البلدان، على الأقل حتى إشعار آخر. وهذه، على كلحال، معركة أيديولوجية طويلة الأمد في مختلف وسائل الإعلام والتأثير على البشرفي مختلف مناطق العالم وعلى صعيد العالم كله. ويمكن أن نستعيد هنا، بشكل عابر،مفهوم القائد والمفكر الإيطالي اليساري الشهير أنتونيو غرامشي عن "الهيمنة،دون أن ندخل كثيراً في تفصيل هذا الموضوع الهام، الذي هو من أهم إسهامات غرامشيالماركسية.
ولكن حين يشعر أساطين رأس المال المتحكمين بالسلطة الفعلية في الولاياتالمتحدة، أو غيرها من البلدان الرأسمالية، مع الأخذ بعين الإعتبار بعض التلاوينوالإختلافات بين بلد وآخر لها علاقة بتاريخ كل بلد وموازين القوى الداخلية بينمكونات كل مجتمع، حين يشعرون بأن سلطتهم أصبحت مهددة فعلياً، فهم سيلجأون الىأساليب أكثر شراسة ومباشرة في محاربة المعارضين. وهو ما رأيناه في البلدان التيشهدت صعود الفاشية والنازية في أوروبا في العشرينيات والثلاثينيات الماضية،وكذلك في الولايات المتحدة أبان حقبة المكارثية في أواخر الأربعينيات وطوالالخمسينيات الماضية، وكذلك ما نشهده منذ بداية تطبيقات "الليبرالية الجديدةقبل زهاء الثلاثة عقود من ضربات للحركات النقابية والقوى اليسارية في بريطانياوبلدان أوروبية أخرى.
ومؤخراً، وخاصة مع إنطلاق وتفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية وتبعاتها على صعيدتنامي البطالة والإفقار المتسع لقطاعات متزايدة من السكان في المجتمعاتالرأسمالية، نشهد من جديد تنامي التيارات الفاشية والعنصرية في عدة بلدانأوروبية. وفي الولايات المتحدة، شهدنا يوم 28/8/2010 الماضي تظاهرة تيار "حفلةالشاي" الأميركي، الذي سبق وأشرنا إليه، والتي رفعت شعارات عنصرية وعبّرت عنالعداء للأميركيين من أصول إفريقية وأميركية لاتينية ومسلمة، وهي التظاهرة التيجرت في واشنطن أمام ضريح الرئيس الأسبق إبراهام لينكولن، في نفس اليوم، والمكان،الذي كان مارتن لوثر كينغ، داعية حقوق الإنسان الأميركي الإفريقي، قد نظّم فيهتجمعاً ضخماً في العام 1963 شارك فيه مئات الآلاف من المواطنين الأميركيينالأفارقة ومناصريهم، وألقى فيه خطبته الشهيرة التي ردد فيها عبارة "لديّ حلم،وتُعتبر الآن من أهم الخطب المؤثرة في تاريخ الولايات المتحدة.
***
 
بالمقابل، ما زلنا، على الأقل حتى الآن، نشهد استمرار تراجع وضعف الحركةاليسارية الجذرية في معظم البلدان الأوروبية، بما في ذلك في بلدان كانت فيهاهذه الحركة تتمتع بحضور كبير ومؤثر، خاصةً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانيةوحتى مطلع الثمانينيات، بلدان مثل فرنسا وإيطاليا والى حد ما إسبانيا، ناهيك عنالوضع المأساوي لليسار الجذري في معظم بلدان التجارب الإشتراكية السابقة، بمافيها جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق، باستثناءات قليلة.
 
ديمقراطية المشروع الإشتراكي تنطلق من إرادة وفعل الغالبية الشعبية
 
ربما استطردنا في الحديث عن نموذج "الديمقراطية" في ظل الأنظمة الرأسمالية،وهدفنا كان أن نبرز أن البديل الإشتراكي ينبغي أن يكون ديمقراطياً بالمعنىالحقيقي للكلمة، أي أن يحقق ديمقراطية من نوع آخر، ديمقراطية الغالبية الساحقةمقابل "ديمقراطية الأثرياء" في الولايات المتحدة، وبأشكال ودرجات مختلفة، فيالبلدان الرأسمالية الأخرى.
في الكتابات الحديثة عن المشروع الإشتراكي في القرن الجديد، يجري الحديث كثيراًعن "ديمقراطية تشاركية وتضامنية"، تتم فيها العودة للناخبين في القضايا الكبرىعبر الإستفتاءات العامة، ويكون التنظيم المجتمعي عبر هيئات محلية قاعدية تديرشؤونها بذاتها، تضم مئات العائلات في أحياء المدن أو المشاريع الصناعيةوالمرافق الإقتصادية الكبيرة، أو عشرات العائلات في الريف والقرى والمشاريعالصغيرة. والتوجه هو نحو تكوين شبكة من هذه الهيئات تفرز القيادات العليا منالأسفل، وتبقيها تحت الرقابة الشعبية الدائمة. وهذه الرقابة الشعبية هي مسألةأكد عليها كثيراً فلاديمير لينين في كتابه ذاته "الدولة والثورة”.
وهذه الصيغة التنظيمية للـ"كومونات" تجري تجربتها حالياً بشكل خاص في فنزويلاولكنها ما زالت في مراحلها الأولية وتحتاج لمزيد من الإمتحان العملي مع الوقتخاصة وأن عملية التنسيق والتنظيم الأوسع بين الهيئات المحلية هذه بحاجة الىبلورة عملية أكثر، بحيث يتم استكمال بناء جهاز إدارة المجتمع، على كل صعيد،إنطلاقاً من هذه البنى القاعدية، لتكون هناك ديمقراطية شعبية مباشرة، وفي الوقتذاته، تكون قادرة على إدارة البلد وشؤونه المختلفة، ومواجهة التحديات المختلفة،بما في ذلك محاولات التخريب الخارجي المحتملة، سواء عبر عدوان خارجي أو من خلالدعم القوى الخارجية المعادية، وخاصة الولايات المتحدة، للقوى والكتل والهيئاتالمناهضة لمشروع التحول الإشتراكي في البلد نفسه. وهو تخريب سبق وتعرضت لهفنزويلا، وكذلك بوليفيا، التي تخوض تجربة مشابهة. وما زال من الممكن أن تتعرضهاتان التجربتان وتجارب أخرى في القارة اللاتينية لمزيد من محاولات التخريب.
كما يجري الحديث في الكتابات الحديثة التي تتناول إشتراكية القرن الجديد عنأهمية العمل على مستوى إقليمي واسع نسبياً، وعدم الإكتفاء بالعمل في بلد واحد،خاصة إذا ما كان صغيراً ومحدود الإمكانيات. وذلك نظراً لحجم التحدياتالإقتصادية والتهديدات الخارجية المحتملة. وهو ما تسعى التجارب الجديدة فيأميركا اللاتينية الى العمل به من خلال التشكيلات الإقليمية، التي تضم عدداً مندول القارة.
فمع ان فنزويلا من البلدان الغنية نسبياً بمصادر الطاقة، فهي البلد السادس فيالعالم من حيث حجم الإحتياطي المكتشف من النفط، ومن بين الدول العشر الأولى فيحجم الإحتياطي المكتشف من الغاز الطبيعي، والأولى في أميركا اللاتينية في هذينالمجالين، ومع انها بلد أكبر من كوبا حجماً سكانياً (حوالي 27 مليون نسمة مقابل 11 مليوناً لكوبا) ومساحتها أكثر من ثمانية أضعاف مساحة كوبا، إلا انها تأتي فيمرتبة متأخرة نسبياً في حجم اقتصادها وتنوع إنتاجها مقارنة بعمالقة أميركااللاتينية، البرازيل والمكسيك والأرجنتين، وحتى كولومبيا المجاورة ووثيقة الصلةبالولايات المتحدة. ومن هنا أهمية الكتل الإقتصادية والسياسية الإقليمية لتحقيقمناعة تصون تجربة التحول الإشتراكي وتحول دون تعرضها للإنتكاسات أو لعملياتالإستنزاف الخارجية، كتلك التي تعرضت لها تجربة نيكاراغوا الساندينية فيالثمانينيات الماضية. والأمر نفسه ينطبق على مناطق أخرى في العالم، يمكن أنيتحقق فيها مثل هذا التطور الجاري في أميركا اللاتينية في المستقبل. وهو مايشمل، بالطبع، منطقتنا العربية- الشرق متوسطية. وإن كانت المهمات الراهنة فيمنطقتنا تتطلب تحالفات داخلية وإقليمية واسعة لمواجهة مجمل الإحتلالات وأشكالالنفوذ الإمبريالي الواسع والدور الإسرائيلي والإمتدادات الداخلية لكل هذهالأطراف.
ويُنسب عادة استخدام تعبير "إشتراكية القرن الحادي والعشرين" لأول مرة، وذلك فيالعام 1996، الى عالم الإجتماع والمحلل السياسي الألماني المولد، هاينتسديتيريش، المقيم في المكسيك منذ العام 1977 حيث يعلم في جامعاتها. لكن رئيسفنزويلا، أوغو تشافيس، هو الذي أعطى انتشاراً أوسع لهذا التعبير حين استخدمه فياجتماع المنبر الإجتماعي العالمي في العام 2005. وقد استخدمه من بعده قادةاليسار الناهض الآخرون في عدد من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، وخاصة قادةبوليفيا، إيفو موراليس، وإكوادور، رفائيل كورِّييا.
وهذه التجارب اليسارية على علاقة وثيقة مع كوبا، التي كانت قد طرحت مشروعهاللتحول الإشتراكي منذ مطلع الستينيات الماضية، أي انها، من الناحية الزمنية،تنتمي الى ما يمكن أن يسمّى باشتراكية القرن العشرين، أو النصف الثاني من القرنالعشرين. لكن لتجربة كوبا خصائص متميزة عن تجارب أوروبا الشرقية. ويمكن الحديثعن هذا التمايز في مجال آخر، خاصة وإنه سمح باستمرارية هذه التجربة في ظروفبالغة الصعوبة في التسعينيات الماضية بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وكافة تجاربالتحول الإشتراكي في أوروبا، التي كانت كوبا تتعامل معها إقتصادياً وتجارياًوتعتمد على مواردها، الى حد كبير. والتجربة الكوبية كانت، بالتأكيد، مرجعيةهامة للعديد من الحركات اليسارية والتقدمية في مجمل القارة اللاتينية ومنطقةالبحر الكاريبي. ومن هذه الزاوية، فإن استعمال تعبير "إشتراكية القرن الحاديوالعشرين" هو مجرد مصطلح، وإن كان، كما سبق وأشرنا، لا بد أن تتميز التجاربالجديدة للتحول الإشتراكي في العالم عن التجارب السابقة التي انهارت، حتىتتفادى الأخطاء والثغرات التي أدت الى فشلها.
 
جهود وإبداعات فكرية ونضالية مطلوبة... لإنضاج عملية التحول الجديدة
 
يبقى أن نشير الى أن إعادة الإعتبار لليسار الجذري ودوره، لا بل وتنمية وتطويرهذا الدور، تتطلب جهداً فكرياً ودعاوياً وسياسياً ونضالياً إبداعياً في أنحاءالعالم، وربما يحتاج الى وقت غير قصير لتحقيق الإنضاج الضروري للشروط الذاتية،باستثناء حالة أميركا اللاتينية التي سبق وتناولناها. لكن المهمة تبقى ضروريةوملحة على جدول أعمال كل المتمسكين بمبادئ وتطلعات اليسار الجذري وأهداف تحررالإنسان من ربقة الإستغلال ونهم رأس المال، الذي لا ينفك يولّد الحروب ويهددوضع الكرة الأرضية بالتردي على صعيد المناخ والبيئة، كما يهدد بمزيد من إفقارغالبية سكان العالم ومفاقمة بؤسهم. وهو ما جعل بعض المفكرين اليساريينالمعاصرين يعيدون طرح الشعار الشهير: "الإشتراكية أو البربرية". وربما منالأفضل اختيار كلمة أخرى غير "البربرية" باللغة العربية، لكونها تكتب بنفسالطريقة التي يكتب فيها اسم قبائل وشعوب أصيلة تسكن شمال إفريقيا منذ زمن طويل،وهي جزء ومكوّن أساسي وهام من ثقافة تلك المنطقة وتاريخها وحاضرها. علماً بأنالتعبيرين يُكتبان بشكل مختلف في اللغات الأوروبية.
وحتى في ظل الأزمة الإقتصادية العالمية الطاحنة المستمرة، ليست هناك، على الأقلحتى الآن، بوادر ذات شأن للإستفادة من مناخها لتحقيق مثل هذا الصعود الجديدالمأمول والضروري لليسار الجذري، ليس فقط في القارة الأوروبية، وإنما أيضاً فيمعظم "العالم الثالث"، بما فيه منطقتنا العربية - الشرق متوسطية. والمناشدةوالحث هنا لا يكفيان، ولا بالطبع التمني والرغبة. هناك حاجة لجهد ومثابرة بنفسطويل نسبياً وإبداع لأشكال العمل والفعل على الأرض، كما حدث في أميركااللاتينية. وإن كان من الممكن أن تحدث تطورات مساعدة غير متوقعة حالياً: ولكن،بالطبع، لا يمكن الرهان على ما هو غير مرئي.
... ... ...
باختصار، في الوقت الذي نحرص فيه على تقدم تجارب التحول الإشتراكي السابقةالموروثة من القرن العشرين والتي صمدت أمام موجة الإنهيارات الأوروبية الشرقيةوالجنوبية (والآسيوية في ما يتعلق بالجمهوريات السوفييتية السابقة الواقعة فيآسيا، بالإضافة الى حالة مونغوليا الخارجية، التي كانت دولة مستقلة خارجالإتحاد السوفييتي، لكنها كانت عملياً معتمدة على الجار السوفييتي الكبيرومتأثرة بسياساته)، نتابع باهتمام وترقب تجارب أميركا اللاتينية الجديدة،وقدرتها على تجاوز الصعاب الكثيرة أمامها، وهي صعاب كبيرة وحقيقية، وليست فقطخارجية، لشق طريق جديد نحو التحول الإشتراكي في القرن الحادي والعشرين، وإعادةالبريق لطموح كل اليساريين الجذريين وكل المراهنين على مستقبل أفضل للإنسانية،ولبناء مجتمعات تليق بها وتحقق تطلعاتها العميقة والتاريخية لإحلال الحريةالحقيقية للبشر، كل البشر، والعدالة للجميع واحترام كرامة الإنسان، كل إنسان،وحقه في العيش الكريم والتنمية الدائمة لشخصيته وعطائه ورخائه.
والتجربة العملية وحدها ستكون المحك، وليست هناك كتب إرشادية ونظريات معلّبةو"وصفات جاهزة" يمكن أن تحل المشكلة بمجرد تطبيق هذه "الوصفات". فالكتبوالنظريات والتجارب الماضية هي مصادر هامة مساعدة، ولكن الإبداع العملي فيالتعامل مع الواقع الملموس، الذي هو دائماً أكثر تعقيداً بكثير من أية نظرية أوأي فكر مسبق، هو الذي يلعب الدور الحاسم. والإبداع هنا قد يبدأ مع نخبة طليعية،وقد يبدأ من حركة شعبية على الأرض، ولكنه لا يتحول الى قوة جبارة إلا إذا حملتهالقطاعات الشعبية الواسعة ذات المصلحة في تحقيق هذا التغيير التاريخي. فهذهالقطاعات هي، في نهاية المطاف، صانعة التاريخ الفعلي والتحولات الجذرية التيشهدتها مسيرة البشرية في الماضي، وستشهدها، بالضرورة، في المستقبل.
أوائل أيلول/سبتمبر 2010
 
داود تلحمي هو مؤلف كتاب "اليسار والخيار الإشتراكي " قراءة في تجارب الماضي وفي احتمالات الحاضر"، الصادر عن مؤسسة "مواطن" في رام الله (فلسطين). 
 

 

لا يوجد تعليقات

اضف تعليقك

الاسم/الكنية*:
البلد:
البريد الالكتروني *:
التعليق على *:
العنوان :
التعليق *:

developed by InterTech