English
الرئيسية
عن لم لا؟
اسئلة متكررة
إتصل بنا
قواعد النشر
خارطة الموقع
منوعات

ربّي المخ قبل اللحية



حلول طريفة للقضية الفلسطينية



طرح عطاء لإنشاء دولة فلسطين



السيرة العجيبة للتواصل الاجتماعي؟



كنيسة جوجل!



استغفلونا ونحن صغار


هللويا فلسطين: البابا محمود عباس



فكّر خارج الصندوق ... روعة التفكير



المجدرة والمناقيش والمغربية ... أكلات فلسطينية



تسليات علمية



ثورة "سلو" دعوة تمهّل لعالم ذاهب نحو الهاوية


هل تصدق الرياضيّات؟


تمثال إمرأة فلسطينية


خطبة الهندي الأحمر الأخيرة



الجمعية الفلسطينية لتطبيق حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية


رسومات

تنويعات على العلم الفلسطيني



الرئيسية > فلسفة >

نصر حامد أبو زيد: وقائع اللقاء الأخير


أقامت القاهرة لمفكّرها بعضاً من الجميل في احتفال احتضنته "دار
الأوبرا". وللمناسبة ننشر مقتطفات من نص لناشر أبو زيد، ليكون مقدّمة"التجديد والتحريم والتأويل: بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير" الذيسيصدر عن "المركز الثقافي العربي"
 
بقلم حسن ياغي*
قبل أشهر من وفاة الصديق العزيز الدكتور نصر حامد أبو زيد، أرسل إليّمجموعة من أوراقه، وقال لي: «انظر فيها، وحين نلتقي نتفق ماذا نفعل، عنديأفكار كثيرة أريد أن نتبادل الرأي فيها». وبالفعل، التقينا أوائل شهرأبريل (نيسان) في بيروت. راح يتحدّث عن الأمور التي تشغله بحماسة كانتتجعلني أضحك، كلما طرق موضوعاً جديداً. وكان الصديق العزيز نصر، كعادته،مرِحاً، وقال لي «إيه يا بو علي، أنت بتتريَق عليّ». كنّا نضحك معاً وأناأعلّق: «لكن من أين لك ولي ما يكفي من العمر للقيام بكل ما تقترحه «يا نصريا ابن أبي زيد»».
وإذ أسوق بعض وقائع ذلك اللقاء الأخير، فذلك لأوضح لماذا أسمح لنفسي بأنأكتب هذه المقدمة التي هي محاولة للتعبير عن أفكاره. وسأحاول هنا أن أقدّمبعض النقاط التي كانت تشغله:
النقطة الأولى: موضوع الدراسات القرآنية. كان طموحه أن يسهم في إنشاء مؤسّسة علميّة تختصّ بالدراسات القرآنية.
النقطة الثانية: العمل على تفسير جديد للقرآن. في آخر لقاء لنا، قال ليإنه قرر البدء بهذا العمل الذي أُجّل، على أن يقوم به على دفعات، وأن يضمّالجزء الأول من هذا التفسير مقدّمة تكون بمثابة دراسة نقديّة للتفاسيرالموجودة، مع إبراز ميزات وأهميّة التفسير الجديد الذي يقترحه، مع تقديمنماذج من طريقته في التفسير واستنباط المعنى.
النقطة الثالثة: ترجمة الموسوعة الإسلامية التي كان الدكتور نصر أحدالمشاركين في إعدادها، ويراها الأوسع والأكثر علميّة، ويرى أن عدم ترجمتهاإلى العربيّة نقص كبير. وقد بذل من أجل ذلك جهوداً كثيرة، وتوصّل أخيراًإلى توفير التمويل اللازم للبدء بالعمل في ترجمتها. وهذا مشروع آمل أن يرىالنور رغم غياب العزيز الدكتور نصر.
عندما عرض لي ما يريد الانصراف إليه، قلت له: «أنت ما زلت مصرّاً علىإنقاذ هذه الأمّة من الجهل والخرافة في زمن مستحيل. فكم سنعيش بعد أناوأنت يا نصر يا صديقي؟».
لكنه أجاب بضحكته الصافية الودودة: «مالك يا بو علي، إنت تعبت. أنت طالماقلت لي إنني أضيّع الكثير من الوقت والجهد. وها أنذا سأتقاعد يوم 14أغسطس، وسأتفرّغ لك تماماً، «أمّا نشوف شطارتك»».
وكان هذا الحوار الذي دار بيننا حواراً شاقاً، لأن القضايا التي كان يريدالتصدّي لها شائكة وصعبة. وقد قلت له بعد طول استماع: «أيّ طريق شائك هذاالطريق الذي تريد شقّه». وكان جوابه: «إنه طريق فهم القرآن، وفهم حركةالرسول بين الواقع والوحي الذي بلّغه كلام الله بلغة البشر ووجّهها إليهم. إننا بحاجة إلى فتح آفاق جديدة في الدراسات القرآنية، مستفيدين من المناهجالحديثة في قراءة النص القرآني. إن الدراسات القرآنية الحديثة يجب أن تفتحالنص القرآني على الحياة، وتُسهم في بناء حياة يدخلها النور، نور المعرفةوالفهم، والحق في اختلاف الفهم والقراءة والتفسير. علينا ألّا نخاف منأولئك الذي يعادون المعرفة، ويمنعون أي تجديد، ما دمنا لا ندّعي المعرفةادّعاءً، ولا نحارب الجهل بالجهل، بل بالمعرفة العلميّة». لقد كان الدكتورنصر شديد الحماسة، وسأكتفي من هذا اللقاء بهذه الإشارات، وأنتقل إلى مادار بيننا بشأن مقدّمة هذا الكتاب.
* * *
إنني لا أطمع في كتابة مقدّمة لكتاب أبو زيد، بل التعبير عن آرائه، مستنداً إلى مواقفه كما سمعتها منه، وإلى رسائله إليّ:
هناك ثلاث نقاط تمثّل صلب هذا الكتاب: أي التجديد، والتحريم، والتأويل.
النقطة الأولى، التجديد: وهو موضوع طالما شَغَل نصر أبو زيد المكافح، بلالمناضل، من أجل مجتمع أفضل، ومن أجل التعدّد والديموقراطية والعلمانيةوحريّة الرأي، وقبل كل ذلك من أجل العدالة الاجتماعية. وربما لأنه صاريزور مصر أكثر أخيراً، صارت الأوضاع في مصر تحوز اهتماماً أكبر عنده. لذلك، تحدّث عن مقدّمة للكتاب تتناول تحالف السلطة الدينيّة مع السلطةالسياسيّة، التي أحكمت سيطرتها على المجتمع وأضعفته على مدى سنوات، حتىأفقدت قواه الحيّة أي أمل بالتغيير، وصارت قوى المعارضة أضعف من أن تستطيعطرح نفسها كقوى قادرة على التغيير والتجديد والإصلاح، سواء في ذلكالمعارضة القومية واليسارية والعلمانية التي فقدت بريقها وما عادت قادرةعلى جذب الناس بأفكارها القديمة، أو المعارضة الإسلامية التي تقدّمت إلىالواجهة عند انكفاء سابقاتها، لكنها لم تضع على عاتقها خوض معركة اجتماعيةسياسية اقتصادية لتحديث السلطة والسياسة. فهذه المعارضة تريد السلطة فقط،وترى أن الشعارت المغلّفة بغلاف ديني هي السبيل للوصول إلى السلطة. إنهاتصارع، حين تصارع، السلطة الموجودة في سبيل سلطتها. فطريق مرضاة الله التيتوهم بها الطيّبين من الناس، هي طريق الآخرة لا طريق الحياة. وهذهالمعارضة التي ترفع شعارات إسلامية على يسار المؤسسة الدينية الرسمية، ترىأن معركتها مع العلمانيين أو التنويريين لها الأولوية.
السلطة الدينية ترى أنّ كل نقد لخطابها يندرج في خانة الخطر على المجتمعوالتهجّم على الدين، وهي أيضاً ترى في التحديث خطراً عليها وعلى وجودها،وترى في الديموقراطيّة بضاعة غربيّة تهدّد الإسلام والمسلمين. والسلطةالدينية، أيضاً، تخلّت عن أفكار التحرر الوطني وعن فلسطين، إلا في الخطبالمنبريّة التي لا تسمن ولا تغني، بل صارت تتحدّث عن المقاومة في فلسطينأو لبنان كمجموعات من المغامرين الذين تديرهم قوى من الخارج! هذه سلطاتأمسكت برقاب الناس، وطوّعت المجتمع، ولن تسمح بأي تجديد.
أما النقطة الثانية: التحريم. فقد كان نصر أبو زيد يقول إنه كلما ضَعُفالمجتمع وقلّت حيويّته، توسّعت دوائر التكفير والتحريم، والعكس صحيح. والتحريم يطال أول ما يطال الإبداع. إنه يهاجم الفنون على أنواعها، ولايلتفت إلى قيمة تلك الفنون في إظهار حضارة أي شعب، مع أن مصر نموذجلأهميّة الفنون ودورها في الحضارة.
ويركّز نصر على رمزَيْن من رموز الإسلام، هما عبد القادر الجرجاني الذي،عبر الصور الفنيّة والجمالية للقرآن، عبّر عن الإعجاز، وسيّد قطب الذي حينيتناول الصورة الفنيّة في القرآن يتحدث عن التصوير والمخيّلة واللوحةوالتصوير الفنّي.
النقطة الثالثة: التأويل، وقد تناول الدكتور نصر هذا الموضوع في معظمكتبه، وهو هنا يتساءل كيف أن القرآن، الكتاب الأعظم في الثقافة العربيّة،يُتعامل معه بمنطق يضيّق على المؤمنين به حياتهم. فيصبح التأويل عملاًمرذولاً في الخطاب الديني المعاصر، فيما التأويل يعني فتح الباب مشرعاًأمام المؤمنين لفهم النص
كان طموحه إنشاء مؤسّسة علميّة للدراسات القرآنية
القرآني خارج إطار الوصفة التي يردّدها كل يوم فقهاء السلطة الدينيّة. وهذا يفتح الباب للعلاقة بين المؤمن وربّه من دون المرور الإجباريبتفسيرات الفقهاء الرسمّيين وتأويلاتهم. وكلما كان الطريق بين المؤمنوربّه مشرعاً، ازداد المؤمن إيماناً، ولكنه إيمان مختلف عن إيمان غيره. إيمان نابع من ذاته من رؤيته، ومن أفكاره. إيمان حرّ. إيمان قد يسلك مسلكالمعتزلة، وقد يسلك مسلك الأشعريّة. إيمان قد يسلك مسلك ابن تيميّة، وقديسلك مسلك ابن عربي. إن اختلاف التأويلات إقرار بحق الاختلاف، وإقراربتعدّد وجهات النّظر، وإقرار بحقّ المؤمن في أن يكون قلبه وعقله دليليهإلى الإيمان الحقّ.
إن الحق في اختلاف التأويلات هو طريق إلى العلم. إنّه استخدام آلة المجازلفهم ما يشقّ فهمه. إنه طريق العلم والعلماء لفهم آليات اللغة القرآنيةومعانيها. إنه طريق الاستفادة من المنجزات العلمية واللغويّة والمعرفيّةلجعل القرآن معاصراً وحيّاً، يؤدي في حياة المؤمنين دوراً كان يؤديه علىمدى القرون الأولى.
ممّ يخافون؟ هل يخافون من الوقوع في الخطأ؟ كلا. إنهم يخافون من أن تصبحالمعرفة الدينيّة غير محصورة في الفقهاء. يخافون من وجود من يعارضهم الرأيفيشاركهم في ما يدّعونه من معرفة محصورة فيهم. يخافون من هدم سلطتهم التييؤكدون كل يوم أنها مستمدّة من أحكام الله ليجعلوا منها سلطة مؤبّدة. إنكل سلطة تؤَبَّدُ تصبح الإعاقة الأسوأ في تاريخ أي مجتمع. ولا بدّ من قوّةجديدة فتيّة تحمل أفكاراً مختلفة تحلّ محلّ هذه السلطة، وإلا استمرالجمود، بل الانحدار، الذي نعيشه.
--- --- ---
* ناشر أبو زيد وصديقه، صاحب "المركز الثقافي العربي"

عن "الأخبار"، عدد السبت ٢٥ أيلول ٢٠١

developed by InterTech