English
الرئيسية
عن لم لا؟
اسئلة متكررة
إتصل بنا
قواعد النشر
خارطة الموقع
منوعات

ربّي المخ قبل اللحية



حلول طريفة للقضية الفلسطينية



طرح عطاء لإنشاء دولة فلسطين



السيرة العجيبة للتواصل الاجتماعي؟



كنيسة جوجل!



استغفلونا ونحن صغار


هللويا فلسطين: البابا محمود عباس



فكّر خارج الصندوق ... روعة التفكير



المجدرة والمناقيش والمغربية ... أكلات فلسطينية



تسليات علمية



ثورة "سلو" دعوة تمهّل لعالم ذاهب نحو الهاوية


هل تصدق الرياضيّات؟


تمثال إمرأة فلسطينية


خطبة الهندي الأحمر الأخيرة



الجمعية الفلسطينية لتطبيق حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية


رسومات

تنويعات على العلم الفلسطيني



الرئيسية > فلسطين >

نحو مفهوم تفاوضي فلسطيني جديد


المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تستقطب المواقف وتثير النقاش، فكيف تمّت وأين وصلت وماهي شروط العودة إليها وماهي قواعد إدارتها؟


كميل منصور(*)

مضى ما يقارب عقدين من الزمن على بدء المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية الرسمية، وربما فترة أطول من عقدين بكثير إذا أخذنا بالحسبان تلك الاتصالات الفلسطينية ـ الإسرائيلية غير الرسمية التي كانت تهدف إلى التمهيد للمفاوضات الرسمية. وعلى الرغم من أن إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل الذي وُقّع في واشنطن في 13 أيلول / سبتمبر 1993 نص على فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات يجري خلالها تسوية جميع القضايا الخلافية وتوقيع اتفاق نهائي، إلاّ إن الفترة الانتقالية مع قيودها وسلبياتها المعروفة أصبحت فترة مستمرة من دون أفق متفق عليه بين الطرفين.
ومنذ توقيع إعلان المبادئ حتى اليوم، عُزيَ هذا الفشل في تحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية إلى المواقف والمقاربة التفاوضية الفلسطينية. فمنهم مَن قال إن المفاوضين الفلسطينيين كانت تنقصهم الكفاءة والإلمام بملفات التفاوض. ومنهم مَن أخذ عليهم عدم تأسيس موقفهم التفاوضي على القانون الدولي، والبعض ذهب إلى تأكيد جهلهم بلغة المداولات، اللغة الإنجليزية، وموافقتهم على نص إنجليزي لم يفهموه حقيقة. وأخيراً، منهم مَن أعلن أن المفاوضات كانت عديمة الجدوى أصلاً لأن من شأن أي اتفاق قد ينجم عنها أن يعكس ميزان القوى بين الطرفين، أي أن يعكس عدم التكافؤ بينهما.
ونظراً إلى هزالة نتائج عملية السلام (إن لم نقل عكسية نتائجها أحياناً)، وفي ضوء تعثر الجهود الرامية إلى إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات منذ صيف 2010، فقد حان الوقت لتقييم المفاوضات بشيء من التفصيل. وتزداد ضرورة هذا التقييم بسبب الانحدار اللامنقطع نحو اليمين المتطرف في إسرائيل، والتراجع المذهل لإدارة أميركية بدت لدى تسلمها زمام الأمور كأنها تريد تغيير قواعد المفاوضات العبثية التي كانت سائدة في الإدارات التي سبقتها. إن الدروس التي سأحاول استخراجها من تقييم التجربة التفاوضية الفلسطينية تتعلق بطبيعة الحال بمجموعتين من الأسئلة: (1) ما هي القواعد المناسبة التي يجب إتّباعها لإدارة حراك تفاوضي سليم؟ (2) هل يجب اعتماد شروط جديدة ـ لا بل مفهوم جديد ـ للمفاوضات قبل العودة إلى مثل هذه المفاوضات غير المتكافئة؟
لا أنوي القيام بهذا التقييم من خلال عرض التطور التاريخي للمفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية بكافة مراحلها وتقلباتها، وإنما سأركز على القضايا ذات الدلالة التي تطرح عادة لدى معالجة أي عملية تفاوضية دولية، مثل المحادثات الممهدة للمفاوضات، وهيكلية صنع القرار، والأرصدة المادية والمعنوية، والتفاعل النفسي، والأسلوب التفاوضي، ودور الأطراف الثالثة. وسأتفحص كلاً من هذه القضايا تباعاً بقدر ما تتعلق بالمقاربة الفلسطينية الراهنة، في ضوء المشروع الوطني الفلسطيني المعلن في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في الجزائر في سنة 1988، والمتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون عاصمتها القدس، مع حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وسأختتم الورقة بالدعوة إلى إجراء تحول في المفهوم التفاوضي الفلسطيني يتضمن اشتراط العودة إلى المفاوضات بالاعتماد على أسس جديدة، ويعتبر العملية التفاوضية أداة دبلوماسية بين أدوات أخرى، ويضع المفاوضات ضمن سياق جدول الأعمال الفلسطيني المرجو للحقبة المقبلة.

اللقاءات غير الرسمية الممهدة للمفاوضات

خلال الثمانينات، وخصوصاً في النصف الثاني منها، تعددت اللقاءات بين شخصيات إسرائيلية من اليسار والوسط وشخصيات فلسطينية قريبة من منظمة التحرير من داخل وخارج فلسطين، في إطار ما يوصف عادة بدبلوماسية المسار الثاني (Second Track Diplomacy). وكان هدف هذه اللقاءات من وجهة النظر الفلسطينية توضيح البرنامج الوطني بقيادة المنظمة وتقوية شرعية هذه الأخيرة وإثبات إمكانية التعايش السلمي بين دولة إسرائيل ودولة فلسطينية عتيدة، وذلك تمهيداً لحراك تفاوضي رسمي قد يبدأ عندما تنضج الظروف. ومن الجدير أن نلاحظ أن كثيرين من أعضاء الوفد الفلسطيني المفاوض في مدريد وواشنطن خلال السنوات 1991-1993 كانوا قد شاركوا في هذه اللقاءات، الأمر الذي يؤشر إلى أن دبلوماسية المسار الثاني لعبت دوراً إيجابياً في التمهيد للمفاوضات الرسمية بين منظمة التحرير وحكومة إسرائيل في أوسلو وبعد أوسلو.
غير أنه من الضروري القول إنه إذا كانت اللقاءات الفلسطينية ـ الإسرائيلية غير الرسمية في إطار دبلوماسية المسار الثاني تتصف بالإيجابية، نظراً إلى أهدافها، قبل مؤتمر مدريد، فإنها لم تعد كذلك بعد هذا المؤتمر، وعلى الأقل بعد توقيع إعلان المبادئ. ففور اعتراف إسرائيل بالمنظمة كممثل رسمي باسم الشعب الفلسطيني وكمفاوض باسمه، أصبحت أي مشاركة فلسطينية في المسار الثاني مضرة أكثر مما كانت مفيدة. لنأخذ مثلاً المسودة لمعاهدة سلام فلسطينية ـ إسرائيلية (المسماة «وثيقة جنيف») التي وقّعتها في خريف سنة 2003 شخصيات إسرائيلية على يسار حزب العمل (في ظل حكومة أريئيل شارون المتطرفة) وشخصيات فلسطينية قريبة من أصحاب القرار. فكل تنازل فلسطيني في مسودة المعاهدة أومأ إلى نوع من الاستعداد الفلسطيني للتنازل عينه في مفاوضات رسمية لاحقة، في حين أن الطرف الرسمي الإسرائيلي، وهو الطرف القوي المحتل، لن يكون ملزماً بأي تنازل قدمه فريق إسرائيلي في الوثيقة، وخصوصاً عندما ينتمي هذا الفريق إلى معارضة اتضح أكثر فأكثر موقعها الهامشي في الخريطة السياسية الإسرائيلية.

البنية التفاوضية الفلسطينية

إن السؤال الأول الذي يطرح في المفاوضات الدولية يتعلق بمدى التفويض الذي يمنحه المجتمع المعني للمفاوضين، وبالمدى الذي يكون المجتمع ملزَماً بالمواقف التي يتخذها المفاوضون باسمه. لذلك، ما يشكل العنصر الأكثر حسماً في البنية التفاوضية ليس الطاقم المفاوض نفسه، إنما الهيئة صانعة القرار التي تصدر تعليماتها إليه. وفي حين تشكل المهنية المعيار الذي يسمح بتقييم أداء طاقم تفاوضي، فإنه يجب تقييم أداء هيئة صنع قرار وفق معايير مثل: النهج والإجراءات المؤسساتية، سلامة وفعالية النظام السياسي، المساءلة الديمقراطية، إنجاز البرنامج السياسي...

1- الهيئة القيادية صاحبة القرار التفاوضي

إن أي تفسير دستوري سليم لتوزيع الصلاحيات في أطر منظمة التحرير يمنح اللجنة التنفيذية مسؤولية الإشراف الفعلي والمتواصل على سير المفاوضات تحت رقابة المجلس الوطني حامي البرنامج الوطني الفلسطيني. إن مقارنة هذا الافتراض بالواقع الفعلي في العقدين الأخيرين تثير الملاحظات التالية:
- شهد دور اللجنة التنفيذية الإشرافي تدهوراً ملموساً منذ سنة 1993، أكان ذلك في عهد الرئيس ياسر عرفات أم في عهد الرئيس محمود عباس.
- كان لانتقال اللجنة التنفيذية من تونس إلى الوطن سنة 1994 أثره البالغ في سير المفاوضات، إذ منح إسرائيل أدوات ضغط شخصية مباشرة على أعضاء اللجنة، بمن فيهم رئيسها، وعلى حريتهم في التنقل، كتحذير أو عقاب على مواقف أو تحركات محتملة أو فعلية.
- اختفى الدور الرقابي للمجلس الوطني على اللجنة التنفيذية. وفيما هو أخطر من ذلك، لم يعد المجلس نفسه يمثل منذ بداية التسعينات كافة القوى السياسية الفلسطينية، وخصوصاً مع ازدياد قوة حركة "حماس" داخل الوطن وخارجه في العقد الأخير.
- لم تساهم التطورات في السلطة الوطنية في التعويض عن أزمة أطر المنظمة، بل على العكس. فالانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، واضمحلال التعددية السياسية في كل من المنطقتين تحت قبضة حزب حاكم متسلط وإن بدرجات متفاوتة، وانتهاء ولاية رئيس السلطة وأعضاء المجلس التشريعي منذ كانون الثاني / يناير 2010، كل ذلك فاقم الأزمة السياسية. وهذا يعني أنه لم يعد لدينا في الوضع الحالي هيئة رقابية ذات مشروعية وفعالية على القيادة الفلسطينية فيما يخص تحركها الدبلوماسي والتفاوضي.
- مع ضعف دور اللجنة التنفيذية وغياب دور المجلس الوطني وغياب المجلس التشريعي، ليس من المستغرب أن ينحصر القرار التفاوضي في شخص رئيس اللجنة التنفيذية وأن تنصب الضغوط الخارجية المكثفة عليه، وخصوصاً الضغوط الأميركية والإسرائيلية منها.
من السهل الاستنتاج مما سبق أن إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية حقيقية وعلى قواعد مؤسساتية متينة، ضرورية لرسم موقف تفاوضي فلسطيني صلب. كما أنه من السهل الاستنتاج أن العودة إلى مرجعية جماعية حقيقية من خلال لجنة تنفيذية تمارس مسؤولياتها خارج الوطن بعيداً عن ضغوط الاحتلال (حتى وإن أقام بعض أعضائها في الأراضي الفلسطينية) تشكل حماية لرئيس اللجنة التنفيذية وللموقف التفاوضي الفلسطيني. غير أن سهولة هذه الاستنتاجات لا تعني بطبيعة الحال أنها سهلة التطبيق.

2- الطاقم المفاوض

لم تتبع القيادة الفلسطينية مقاربة مقنعة في تركيبها للطواقم المفاوضة. ففي أحيان كثيرة، جرى ضم أعضاء لم يكن لديهم الكفاءة المميزة ولم يُعَدّوا مسبقاً بشأن الملف التفاوضي ولم يُعطوا تعليمات واضحة. وفي أحيان أُخرى، استُبعد أشخاص، ليس بسبب نقص في الكفاءة، لكن لتجنب «وجع الرأس» الذي يمكن أن ينتج من تصلبهم التفاوضي. وفي بعض الأحيان، جرى اختيار خبراء كمفاوضين أُقحموا في أخذ وعطاء تفاوضي بدلاً من أن يقتصر دورهم على دعم المفاوض في الأمور الفنية.
ويشير بعض الوثائق التي سربتها قناة الجزيرة إلى أن تعليمات متناقضة أعطيت للجان تفاوضية مختلفة في الدورة الواحدة، وحتى إلى أن مفاوضين عبّروا عن مواقف متعارضة في الوقت ذاته في الغرفة الواحدة. صحيح أن تقدماً ملموساً حدث في المهارة التفاوضية الفلسطينية منذ حقبة واشنطن في سنتي 1992 و1993 عندما كان عدد من أعضاء الوفد مناضلين من الضفة الغربية وقطاع غزة، فجعلوا من جلسات التفاوض منبراً للدفاع عن القضية الفلسطينية، بدلاً من الولوج في التفاوض نفسه. إلا أن المهارة المكتسبة لدى البعض خلال عشرين عاماً أصبحت عائقاً موضوعياً. فالجانب الإسرائيلي لم يتردد في التغيير المستمر لطاقمه التفاوضي الأساسي. وسمح له هذا الأمر، في غياب محاضر متفق عليها للجلسات وبفضل رضوخ العرّاب الأميركي، بالمراوغة وبتجاهل أي موقف إيجابي يكون قد عبر عنه مفاوض إسرائيلي سابق، في الوقت الذي يستطيع فيه تذكير المفاوضين الفلسطينيين «الدائمين» بمواقف مرنة قد يكونون عبّروا عنها في سنوات سابقة.
وبالإشارة إلى الضجة الحالية بشأن تسرب وثائق قناة الجزيرة من مكاتب وحدة دعم المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله والمشكلة سنة 1998، فمن الضروري القول إن جزءاً من الأسس التي بنيت عليها جدير بالتنويه: جلب كفاءات شابة؛ تحضير الملفات التفاوضية؛ كتابة محاضر الجلسات... إنما يجب أيضاً الإشارة إلى السلبيات: الاعتماد حتى فترة قريبة على التمويل والإدارة الخارجيين؛ سرعة تبدل العاملين؛ كون بعض العاملين يتخطون دورهم كخبراء؛ عدم التأكد من مدى التزامهم بالمهام التي توكل إليهم؛ عدم تدريب كفاءات محلية مستقرة...
يمكن أن نستنتج الآتي مما سبق، إذا ما استؤنفت مفاوضات الحل الدائم في المستقبل:
- أن يكون الترتيب من فوق إلى أسفل، أي من اللجنة التنفيذية إلى طاقم الخبراء، هرمياً.
- ألاّ يُسمح بتشكيل طواقم تفاوضية موازية تقوم بمفاوضات موازية لا يدري بها الوفد الرسمي. من الضروري أن يكون الموقف الفلسطيني موقفاً واحداً، وإلاّ سهل على الطرف الآخر استغلال التناقضات في الموقف الفلسطيني.
- أن تشكل لجنة توجيهية للمفاوضات مكونة من بعض أعضاء اللجنة التنفيذية وغيرهم. وتكون مهام اللجنة، بالتشاور مع رئيس اللجنة التنفيذية: المتابعة اليومية للمفاوضات؛ المساهمة في وضع الإستراتيجيات والمواقف والتكتيكات التفاوضية؛ تلقي تقارير المفاوضين ودراستها وإعطاؤهم التعليمات الملائمة؛ تولي مسؤولية العلاقة مع وسائل الإعلام. يجدر ألا يشارك أعضاء اللجنة التوجيهية في أي مفاوضات. أمّا الحكمة في فكرة إنشاء لجنة مهمتها الفريدة توجيه الحراك التفاوضي الفلسطيني وإبقائها مفصولة تماماً عن المفاوضين، فهي عزل أعضاء اللجنة عن التفاعل «الكيميائي» مع الإسرائيليين، وبالتالي ضمان موضوعيتهم في تقدير الموقف.
- أن يشكل طاقم المفاوضين برئاسة أحدهم، على أن تكون مرجعيتهم اللجنة التوجيهية، وعلى أن يكونوا ذوي كفاءة عالية. ومن الضروري أن يكون لرئيس الطاقم مهارة إدارية، وأن يضم الطاقم عضواً ذا خلفية قانونية.
- ألاّ يقحم رئيس اللجنة التنفيذية في اللقاءات التفاوضية العادية إلاّ في اللحظات المفصلية.
- أن تُدعم اللجنة التوجيهية والطاقم المفاوض بخبراء في مختلف الميادين التي يحتاج إليها، منها: العلاقات الدولية؛ القانون الدولي؛ القانون الفلسطيني؛ القانون الإسرائيلي؛ الشؤون العسكرية؛ الشؤون الأمنية. وللخبراء أن يوضحوا الأمور في مجال تخصصهم وأن يضعوا بدائل تفاوضية لا أن يقرروا سياسات تفاوضية.
- أن تقتصر مهمة المفاوضين والخبراء على التفاوض على الحل الدائم، وأن يمتنعوا عن الاتصال بالجانب الإسرائيلي فيما يتعلق بالمسائل اليومية المنبثقة عن تطبيق اتفاقات أوسلو المرحلية، مثل توسيع المناطق أ، أو إدارة انتقال الأفراد والبضائع من وإلى الضفة الغربية وقطاع غزة، أو إصدار تصاريح الإقامة. أمّا الاتصالات الضرورية بالجانب الإسرائيلي لمتابعة هذه الأمور، فيجب أن تقوم بها اللجان المعنية المختصة.

الأرصدة التفاوضية المحتملة

إلى جانب إعادة البنية التفاوضية الفلسطينية، يستطيع الطرف الفلسطيني الاعتماد على عدد من الأرصدة المحتملة التي لا تبدو ظاهرة دائماً للعيان بسبب اختفائها وراء عدم التكافؤ بين الطرفين. غير أنه يجب التشديد بأن الطرف الفلسطيني لن يستطيع الاستفادة من أي من أرصدته حول طاولة المفاوضات، ولا أن يبني عليها دبلوماسياً وعلى الأرض، قبل أن يرتب وضعه السياسي الداخلي.

1- ميزان القوى

لا جدال بأن ميزان القوى العسكري، المرتبط بشكل وثيق بالدعم الأميركي، يميل بشكل فاضح إلى الموقف الإسرائيلي، وهذا ينعكس في استمرار الاحتلال وحصار غزة وتقييد حرية التنقل ووضع الحواجز على الطرق ومواصلة الاستيطان. ويبدو لي أن المفاوض الفلسطيني، وخصوصاً بعد إعلان المبادئ في سنة 1993، دخل المفاوضات المتتالية كأنه مهزوم لدرجة سمحت للطرف الإسرائيلي بالإدعاء أنه يفاوض نفسه، وأن أي اتفاق إسرائيلي-فلسطيني ما هو إلاّ اتفاق إسرائيلي-إسرائيلي يُحَوَّل إلى الجانب الفلسطيني لتوقيعه ليس إلاّ.
إن هذا الإدعاء يعبّر عن تفسير آحادي الجانب لميزان القوى وأيضاً عن حرب نفسية يجدر بنا ألاّ نقع فريستها. فميزان القوى، كما هو معروف، ليس عسكرياً فقط، بل هو حصيلة عناصر مختلفة، منها ما هو سياسي داخلي، وما هو ديموغرافي، ودبلوماسي، ودرجة الالتصاق بالأرض، والصمود الشعبي، وغيرها. فعلى الرغم من الميزان العسكري، ليس لإسرائيل في الظروف الحالية القدرة الكافية على اتخاذ أي من الخيارات التالية: الضم الكامل، والطرد الجماعي (وهما يشكلان منطق النشاط الاستيطاني، إن لم يكن هدفه)، وحتى إعادة احتلال قطاع غزة والضفة الغربية والبقاء بشكل متواصل في المدن والقرى والمخيمات، وإقامة إدارة مدنية مباشرة، كما كان الوضع قبل سنة 1993. فلا تلاؤم بين قوة إسرائيل العسكرية الهائلة وغطرستها من جهة، ومن جهة أُخرى قدرتِها المحدودة على إملاء شروطها على شعب يتشبث بأرضه ولا يريد أن يستسلم.
إلى جانب هذه القيود على التفوق العسكري الإسرائيلي، يمتلك الجانب الفلسطيني أوراقاً تفاوضية قوية تسمح له، إذا أجاد استعمالها، بتخطي الابتزاز والضغوط. بالنسبة إلى الديموغرافية مثلاً، يضع غياب تسوية إسرائيلية-فلسطينية إسرائيل أمام مأزق داخلي سيصعب عليها تخطيه كلما تقدم الزمن. ومن اللافت أن المسؤولين الأميركيين أنفسهم عبّروا علناً عن تخوفهم من هذا المأزق في سنة 2010، وذلك ربما للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي. كما أن التطورات الإقليمية، من جنوب لبنان إلى إيران إلى تركيا، تظهر أن دائرة العداء لإسرائيل تتسع ولا تتراجع. حتى إن التساؤل عن التوجهات المصرية المستقبلية إزاء إسرائيل بعد ثورة 25 يناير لم يكن ليطرح أصلاً لو كانت تسوية إسرائيلية-عربية شاملة تسود المنطقة.
أمّا دولياً، فأي جهد تقوم به الولايات المتحدة من أجل تسوية فلسطينية-إسرائيلية لم يكن ولن يكون نابعاً عن اعتناق أميركي مفاجئ للحقوق الفلسطينية، وإنما مرده حرصها على مصالحها الإقليمية. ومن هنا، لا صدقية لأي تهديد من واشنطن بإنهاء اهتمامها بالتسوية أن لم يتجاوب الجانب الفلسطيني مع شروطها.

2- القانون الدولي

عندما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية برنامج إقامة الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة ووافقت على قرار مجلس الأمن رقم 242 وعلى قرارالجمعية العامة رقم 194 المتعلق باللاجئين، أرست التجانس الكامل بين مطالبها وبين القانون الدولي والشرعية الدولية. والسؤال يطرح نفسه دائماً عن فائدة القانون الدولي، ونحن نعلم أنه وُضع تاريخياً من قبل الدول الأوروبية من دون اعتبار للعالم غير الأوروبي، وبالتحديد لما يسمى اليوم العالم الثالث. وهو كالقانون الداخلي يتحمل مراراً أكثر من تفسير، مما يعطي الدول العظمى القدرة على ادعاء التفسير في الوقت الذي تقوم باختراقه. وتنقصه كذلك آليات التنفيذ، فيبقى حبراً على ورق عندما يكون الخارق طرفاً دولياً يتمتع بالقوة إزاء الطرف المقابل الضعيف.
لكن على الرغم من هذه النواقص، ولأسباب عديدة (منها دخول الإعلام وتكنولوجيا المعلومات في كل ساحة وكل منزل، ووزن التصويت العددي لدول العالم الثالث في المحافل الدولية حيث يصنع القانون الدولي...)، فإن الطرف الضعيف اليوم يستطيع أن يجد في القانون الدولي العديد من القواعد التي تدين الظلم الذي قد يكون وقع ضحيته. هذه القواعد معروفة، منها مثلاً: حق الشعوب في تقرير المصير؛ حق الشعوب في النضال، بما فيه اللجوء إلى العنف (المقيد بدوره بقواعد ملائمة) من أجل التحرر؛ القانون الدولي الإنساني؛ حقوق الإنسان... ولا شك، مرة أُخرى، في أن هذه القواعد، على الرغم من إيجابيتها، لا تعبّر عن العدل المطلق، وتبقى عرضة لتفسيرات متعددة يقوم بها الطرف الظالم ليفرغها من مضمونها، وتبقى عرضة للخرق من قبله من دون أن يتمكن الطرف المظلوم من اللجوء إلى محكمة دولية فاعلة تعيد إليه حقه، شأنه شأن أي مواطن ضمن دولة متحضرة. لكن الطرف المغبون قد يستطيع اليوم، شرط أن يناضل من أجل قضيته وأن يعمل على تعبئة الأصدقاء في العالم، أن يسجل بالتدريج نقاطاً لمصلحته تضع قيوداً جدية على الطرف الظالم.
لا ضرورة هنا لسرد التنازلات الفلسطينية في مفاوضات السنوات العشرين الأخيرة دون السقف الذي يمنحه لنا القانون الدولي. ومن أجل أن يستطيع الطرف الفلسطيني الاستعانة بفعالية بالقانون الدولي، عليه أن يتمسك بالتوجهات التالية، إن في المفاوضات، أو في العمل الدبلوماسي، أو حتى داخلياً:
- الكف عن اعتبار القانون الدولي حجة إعلامية دعائية لا غير، بل بذل الجهود للتصرف وفق قواعد القانون الدولي تجاه إسرائيل ووفق سيادة القانون على الصعيد الداخلي. من الضروري أن تصبح الحقوق والواجبات المنبثقة عن القانون الدولي جزءاً من ثقافة واقتناع القيادات والتنظيمات والقوى السياسية والصحافة والجمعيات الأهلية الفلسطينية. وإلا لن يكون بمقدور المجتمع الدولي أن يعامل الفلسطينيين بجدية عندما يعلنون تمسكهم بالعدالة الدولية.
- رفض المقاربة الإسرائيلية-الأميركية التي تنطلق من «الحاجات» (والمعني بها عادة الحاجات الأمنية الإسرائيلية، أو الحاجات الإئتلافية للحكومة الإسرائيلية) كأساس للتفاوض، بل العودة دائماً إلى الحقوق والواجبات كمعيار ملزم للطرفين.
- تأسيس كل مواقفنا، التفاوضية وغير التفاوضية، العامة والتفصيلية، العلنية والخاصة، على أحكام القانون الدولي وعلى قرارات الأمم المتحدة، بحيث يكون التمسك بالحقوق الفلسطينية موقفاً دبلوماسياً لا مجرد موقف قانوني.
- دمج المواقف القانونية التي يعدها المستشارون القانونيون في الأوراق السياسية التي يعتمدها صناع القرار والمفاوضون بحيث تكون الحصيلة مقاربة تفاوضية شمولية. وإن لم نفعل ذلك، تكون المفاوضات كأنها تجري على مسارين: مسار يسلكه فريق قانوني من أجل الدعاية، ومسار يعتمده الفريق السياسي من أجل الأخذ والعطاء الجدي.
- التركيز إعلامياً ودبلوماسياً على الخروقات الإسرائيلية لأحكام القانون الدولي أكثر من التركيز على الحقوق الفلسطينية وعلى الشرعية الدولية. نحن بحاجة إلى خطوات تدين الممارسات الإسرائيلية وتخضعها للمساءلة أكثر من حاجتنا إلى تأييد لفظي لحقوقنا.

3- المعايير والقيم

إلى جانب القيم القانونية السالفة الذكر، يجدر عدم الاستخفاف بقيم أُخرى، مثل القيم الأخلاقية، والقيم السياسية مثل الانعتاق من الاستعمار، والقيم المتعلقة بالهوية الجماعية وبالذاكرة وبالتاريخ العربي ـ الإسلامي. فعلى سبيل المثال، خلال المفاوضات المسماة غزة ـ أريحا في سنتَي 1993-1994، والتي أدت إلى اتفاق القاهرة في أيار/مايو 1994، جرى نقل بعض الصلاحيات من الحكم العسكري إلى السلطة الفلسطينية التي كانت في قيد التكوين. ولدى مناقشة موضوع نقل صلاحية الإشراف على الأماكن الدينية، وافق المفاوض الفلسطيني على أن تكون الأماكن الدينية اليهودية (وخصوصاً كنيس «شالوم عل يسرائيل» في أريحا) تحت إشراف الجانب الإسرائيلي بحجة (فلسطينية) أن لا دخل للفلسطينيين بهذا الموضوع. إن هذا الجهل بالتاريخ العربي وبدور الخلافة الإسلامية بمراحلها المتعاقبة وصولاً إلى السلطنة العثمانية في حماية الأماكن المقدسة لجميع الأديان، شكّل سابقة دفع الجانب الفلسطيني ثمنها في مرحلة لاحقة في إبقاء قبر يوسف (نابلس) وقبة راحيل (بيت لحم) تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة في إطار الاتفاقية المرحلية (واشنطن، أيلول / سبتمبر 1995). ولعل القارئ يعلم أن هذا الأمر لم يؤد فقط إلى تقليص الولاية الجغرافية الفلسطينية حول وداخل هاتين المدينتين، بل أيضاً إلى تأزيم الاحتكاك اليومي بين المواطنين الفلسطينيين من جهة، والجنود والمستوطنين الإسرائيليين من جهة أخرى. من الضروري أن يستفاد من هذا الدرس فيما يخص المفاوضات بشأن القدس.
ومن القيم المتعلقة بالهوية وبالذاكرة الجماعية، نخص بالذكر ما يرتبط بالنكبة. فتجربة النكبة تجعل من المستحيل على الطرف الفلسطيني أن يوقع على أي اتفاق لا يتضمن صراحة اعتراف إسرائيل بمسؤوليتها عنها. إن النكبة تعني أيضاً استحالة اعتراف الجانب الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية، لأن مثل هذا الاعتراف يعني أن الفلسطينيين كانوا مذنبين بتمسكهم بأرضهم وبمنازلهم وبحقولهم وببياراتهم في الإقليم الذي أصبح فيما بعد دولة إسرائيل، وكانوا مذنبين برفضهم حالة اللجوء في مخيمات المنفى، فضلاً عن الأذى السياسي والمعنوي الذي يلحقه هذا الاعتراف بمواطني إسرائيل الفلسطينيين إذ يصبحون حين ذاك وكأنهم غرباء عن أرض أجدادهم وضيوف معرضون للطرد بأي حجة، مثلما حدث لفلسطينيي القدس الشرقية في سنة 1967 عندما ضمتها إسرائيل إلى سيادتها.
والتفاوض من أجل الحصول على اعتراف إسرائيل بمسؤوليتها عن النكبة لا يقتصر على اعترافها بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، على أهميته. فتبعاً للاعتراف بتعلق جميع الفلسطينيين (بما فيهم الفلسطينيون الذين تعود جذورهم إلى قرية أو بلدة في الضفة الغربية وقطاع غزة) بوطنهم التاريخي، يجب أن يتضمن أيضاً المسار التفاوضي قبول إسرائيل، في إطار تسوية نهائية، بأن يكون لهم حرية زيارة المدن والقرى الفلسطينية في إسرائيل ومواقع أخرى من تاريخهم وذاكرتهم الجماعية (القرى المدمرة، المقابر، المواقع الدينية...). من الضروري تكرار التذكير، إعلامياً ودبلوماسياً وحول طاولة المفاوضات، بأن الشعب الفلسطيني، بقبوله حل الدولتين في المجلس الوطني في سنة 1988، وباستعداده للاعتراف بدولة إسرائيل وفق قواعد القانون الدولي، قدم تضحية رئيسية من أجل السلام ولم يعد لديه ما يقدمه.
من الملائم أخيراً الإشارة إلى الحجة المنطقية كقيمة بحد ذاتها. هل يمكن مثلاً التشكيك في المنطق الفلسطيني الرافض للتفاوض على الحدود في حين أن إسرائيل تمضي في بناء المستعمرات وتوسيعها؟ هل يستطيع الإسرائيليون الادعاء بأنهم طليقو اليدين في القيام بأي عمل يريدون في القدس التي ضموها إلى دولتهم، وقد وافقوا في الوقت ذاته في وثيقة إعلان المبادئ بأن القدس تشكل قضية يجب إيجاد تسوية لها في مفاوضات الحل الدائم؟ أن يبين المرء تماسك حججه وتناقضات مواقف الطرف الآخر يشكل ورقة لا يستطيع أي وسيط أو طرف ثالث تجاهلها.
قد يستخف البعض بإيرادنا هذه القيم بمختلف أنواعها، بما فيها القيم التي يتضمنها القانون الدولي، كعوامل مؤثرة في المفاوضات. إننا نوردها هنا ليس تقليلاً من أهمية ميزان القوى العسكري، وإنما لأنها أدوات فعالة تسمح بتعبئة الرأي العام الفلسطيني لمصلحة موقف تفاوضي صلب، ولأنها تنزع الشرعية عن سياسات وممارسات ومطالب الجانب الإسرائيلي، الأمر الذي يسمح بكسب المزيد من التأييد في الوطن العربي وفي العالم.

البيئة التفاوضية

لا تنعقد المفاوضات في فراغ، بل تتأثر بعوامل خارجية. ومن بين العوامل ذات العلاقة بالمفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، نذكر مكان المفاوضات، والبيئة السيكولوجية المحيطة بالمفاوضين، والانكشاف على الإعلام. لقد حملت هذه العوامل البيئية ، خلال عقدي المفاوضات، مخاطر أكثر مما حملت فرصاً للطرف الفلسطيني.

1- مكان المفاوضات

من الأمور التي أساءت إلى الموقف التفاوضي الفلسطيني إجراء المفاوضات في القدس أو تل أبيب أو واشنطن أو شرم الشيخ، إذ لا غنى عن عقدها في مكان محايد مثل سويسرا وتحت إشراف دولي موضوعي مثل الأمم المتحدة، للتقليل من الضغوطات الخارجية والإسرائيلية، ولإعطاء جلسات التفاوض صبغة رسمية بروتوكولية.

2- التفاعل النفسي في المفاوضات

لقد انتقد كثيرون المفاوض الفلسطيني عندما ظهر سلوكه وكأنه تنقصه الرزانة والوقار والبروتوكول الرسمي. ولا يتعلق الأمر فقط بالصورة السلبية التي تتكون إذ ذاك عند المواطن الفلسطيني الرازح في مخيمات اللجوء، أو المواطن الذي صودرت أرضه أو هدم بيته، أو الأم التي فقدت ابنها برصاصة الاحتلال. بل يتعلق الأمر أيضاً بالتفاعل «الكيميائي» مع المفاوضين من الطرف الآخر، داخل وخارج قاعة المفاوضات، هذا التفاعل الذي قد يؤثر في نتائج المفاوضات نفسها. إن التفاعل الإيجابي قد يصبح تآلفاً، أو غياباً مصطنعاً للكلفة، الذي قد يؤدي بدوره إلى قول كلام غير محسوب بدقة في أوقات ينقصها الحذر، أو تسليم بأمر تجنباً للإحراج أو بسبب «عتب» يبدو كأنه تعبير عن خيبة أمل من صديق (إسرائيلي) إلى صديق (فلسطيني)...
من جهة أُخرى، إن المسافة المطلوبة بين المفاوضين من الجانبين لا تعني بالنسبة إلى الطرف الضعيف التصرف العكسي، مثل الوقوع في الغضب، أو إلقاء التهديدات الدراماتيكية الهوجاء التي لا يمكن تنفيذها، أو تسفيه تنازلات محتملة من الطرف الآخر. فالمطلوب من المفاوض أن يضبط مشاعره، وأن يحافظ على صدقيته، وأن يستلم تنازلات الطرف الآخر (أن «يقبضها») كي يبني عليها في جولات تالية.

3- المفاوضات والسرية والإعلام

من الدروس التي يجب استخلاصها من تسريب وثائق وحدة دعم المفاوضات أن للطرف الفلسطيني مصلحة حيوية في تبني الموقف نفسه في السر وفي العلن. فمن جهة، ما من أمر يمكن أن يبق سراً في مؤسسات عامة تقع في أراض محتلة. ومن جهة أخرى، من المفيد للقيادة نفسها أن تعي أن سرية المواقف التفاوضية لا تفيد بشيء. بل على العكس، تشكل المعارضة القوية البناءة لدى رأي عام يقف بالمرصاد إزاء أي تنازل محتمل، ورقة ثمينة للقيادة في نهاية المطاف. فإطلاع الرأي العام الفلسطيني على المفاصل الهامة في سير المفاوضات يقوي الموقف التفاوضي الفلسطيني ولا يضعفه، فضلاً عن مساهمته في إرساء الثقة الحقيقية بين القيادة والمواطن. وهذا يتطلب سياسة إعلامية رصينة موجهة للداخل الفلسطيني وللمجتمع الدولي.
من المهم أيضاً إطلاع الجمهور الفلسطيني ووسائل الإعلام الدولية على تفاصيل المواقف التفاوضية الإسرائيلية بالمقارنة مع المواقف الفلسطينية. وفي هذا المجال، يحتاج الصحافيون الفلسطينيون والصحافيون الأجانب إلى أن يفتح لهم المجال للتعرف على خلفية المواقف حتى يتمكنوا من المتابعة الدقيقة لما يحدث داخل قاعة التفاوض، واسيتعاب دلالة الفجوات التي تفصل بين الجانبين، وتكوين قناعتهم عمن هو الطرف المسؤول عن الجمود أو الفشل. فمن أجل صد الآلة الإعلامية الإسرائيلية، التي قامت مثلاً بإطلاق حملة دعائية تعزو إلى الطرف الفلسطيني فشل القمة الأميركية-الإسرائيلية-الفلسطينية في كمب-ديفيد في تموز/يوليو 2000، لا شيء يضاهي الرواية الحقيقية لما جرى. إن المواقف التي تستند إلى القوة الغاشمة تميل إلى الاختباء وراء ستار الشعارات الدعائية، في حين أنه من المفيد للمواقف التي يمكن الدفاع عنها (أي المواقف المتوافقة مع القانون الدولي) أن تنزع الستار وأن تعلن على الملأ. وأخيراً، إذا ما اتفق الطرفان أن يبقيا مداولاتهما سرية، من الضروري إطلاع دوائر من المختصين على المحاضر التفصيلية من أجل الاسترشاد برأيهم، وليس إبقاءها طي الكتمان كما ولو أنها كنوز لا تقدر بثمن.

الشراك على درب الطرف الفلسطيني

بالنظر إلى انعدام التكافؤ بين الطرفين من حيث القوة والموارد والتحالفات، لا مفر من أن يكون المسار التفاوضي مزروعاً بالشراك بالنسبة إلى الفلسطينيين وهم يتفاوضون على قضايا مصيرية ذات تأثير مباشر على حقوق الشعب الفلسطيني وعلى وحدته وعلى الاستقرار المستقبلي لنظامه السياسي.

1- التفاوض لمرحلة انتقالية والتفاوض من أجل اتفاق نهائي

على الرغم من التمييز الواضح في مسار أوسلو بين المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية وتلك التي تخص الوضع الدائم، وقع الطرف الفلسطيني مراراً في فخ الخلط بين القضايا الناجمة عن كل من المسارين. وقد لجأ الجانب الإسرائيلي مراراً، وتجنباً للولوج في القضايا الأساسية، إلى تقديم «تسهيلات» أو «تحسينات» أو «ترضيات» تتعلق بتطبيقات المرحلة الانتقالية (وهي تكون مشروطة أحياناً بتنازلات عملية فلسطينية مقابلة). وقد فعل الجانب الإسرائيلي ذلك على الرغم من أن المفاوضات تجري تحت عنوان الحل الدائم. والمستغرب أن المفاوضين الفلسطينيين في بعض اللجان الفلسطينية ـ الإسرائيلية المتخصصة والمشكّلة في سنة 2008 بعد قمة أنابوليس، لم يترددوا، كما تشير وثائق وحدة دعم المفاوضات، في طرح مطالب متعلقة بمسائل المرحلة الانتقالية. إن هذا التوجه يتنافى مع الإستراتيجية التفاوضية السليمة، وبدلاً من أن يقرب من الحل النهائي، فهو يؤخره، لا بل يحمل مخاطر في جوهر الحل النهائي نفسه. لذلك، اقترحتُ أعلاه ألاّ يشغل مفاوض الحل النهائي نفسه بأي أمر يتعلق بتطبيقات الحكم الذاتي، خشية من أن يقدم هذه التحسينات كإنجازات على طريق الحل النهائي.
لقد نصت وثيقة إعلان المبادئ على أن تبدأ مفاوضات الحل النهائي قبل بداية السنة الثالثة للمرحلة الانتقالية (أي قبل 5 أيار/مايو 1996) وأن تقود إلى تسوية دائمة في موعد أقصاه نهاية السنة الخامسة للمرحلة الانتقالية (4 أيار/مايو 1999). ومن أجل تجنب هذا الاستحقاق، وأحياناً للتجاوب مع الضغوط الأميركية المطالِبة بالقيام بـ«خطوة ما»، لجأت إسرائيل إلى بدائل، كان من أهمها في الفترة الأخيرة تفكيك المستعمرات اليهودية في قطاع غزة وإعادة الانتشار حول القطاع (مع ما ينطوي ذلك من نتائج، أبرزها فصل الضفة الغربية عن غزة بشكل شبه كامل). وتمثلت بدائل أخرى في تكرار الكلام حول توسيع المناطق المصنفة أ في الضفة الغربية والاعتراف بدولة فلسطينية بحدود مؤقتة. بالإضافة إلى ذلك، لم ينفك التكتيك التفاوضي الإسرائيلي منذ إعلان المبادئ في سنة 1993 عن التركيز على الجزئيات على حساب مناقشة المبادئ العامة، بحجة البراغماتية والابتعاد عن «الشعارات الفارغة» (كالإصرار على القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، وعلى الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط سنة 1967، وعلى عودة اللاجئين)، تحت تعبيرات مزدرية مثل: «أنتم الفلسطينيون لا تفاوضون، بل تطلقون الشعارات».

2- الأسلوب التفاوضي

على الأسلوب التفاوضي الفلسطيني أن يكون بنيوياً، «مهيكلاً» من فوق إلى أسفل بشكل هرمي، أي أن يبدأ بالمبادئ العامة ثم يلج في التفاصيل، وليس كما تريد أن تفرضه الحرب النفسية الإسرائيلية-الأميركية من الأسفل إلى الأعلى بحجة البراغماتية. إن أسلوب «من أسفل إلى أعلى»، المبني على فكرة أن إسرائيل تمتلك (وحتى أن لها مشروعية امتلاك) جميع الحقوق والأوراق، يهدف إلى جعل المفاوضات عملية تستمر إلى ما لا نهاية وتتجنب أي خطوة تشير إلى نهاية الاحتلال أو إلى حل القضايا الأخرى المتعلقة بالحل النهائي، بذريعة تأجيل الموضوعات التفاوضية الصعبة إلى مرحلة لاحقة. ويتمثل هذا الأسلوب في أن تتخل إسرائيل تدريجياً عن بعض الجزئيات للجانب الفلسطيني (كأن تحول له مسؤولية الصحة والتربية، إلخ، أو بعض الأراضي تصنف مناطق أ و ب)، ثم تقوم بتكتيل الجزئيات وتوسيعها بقدر ما تتقدم المفاوضات، ولكن شرط أن ما لا يجري التخلي عنه يبقى تحت الولاية الإسرائيلية (مثلاً تبقى أراضي الضفة الغربية التي لم يجر تحويلها صراحةً إلى مناطق أ و ب مناطق ج بالضرورة، أو حتى جزءاً من السيادة الإسرائيلية). غير إنه بعد عشرين عاماً على ما يسمى عملية السلام، لم يعد من المبرر تجنب القضايا «الصعبة» وتأجيلها إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات، مثل قضية القدس وقضية اللاجئين.
من الأكيد أن الطرف الإسرائيلي وافق في بعض الأحيان، بعد أخذ ورد تفاوضي، على مبدأ عام مرضٍ ظاهرياً، بيد أنه سرعان ما كان يربطه في كل مرة بموافقة فلسطينية مقابلة على عدد من الاستثناءات. لنَعُدْ مثلاً إلى إعلان المبادئ. حصل الجانب الفلسطيني على مبدأ ولاية السلطة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ووافق على استثناءات، منها مثلاً إبقاء المستعمرات خارج ولاية السلطة. على افتراض أن هذا الموقف لم يكن من الممكن تجنبه، لا يبدو أن المفاوض الفلسطيني سعى جدياً إلى الحصول على مفهوم جغرافي للمستعمرات يكون ضيقاً إلى أقصى حد: هل المستعمرة تعني المنطقة المبنية، أم التنظيم الهيكلي لها (وهو أوسع منها بكثير)؟ هل المستعمرة تنحصر في موقعها أم تشمل أيضاً الطريق التي تربط بينها وبين الإقليم الإسرائيلي؟ لا حاجة إلى القول إن في مرحلة تطبيق إعلان المبادئ، فرضت إسرائيل المفهوم الأوسع للمستعمرات، الأمر الذي سمح بالإلغاء العملي للولاية الفلسطينية على الأراضي المحتلة.
من المتوقع أن يجد هذا المثل نظيره في حال تجددت المفاوضات للحل الدائم. على افتراض أن الإسرائيليين سيوافقون على صياغة ما لمبدأ السيادة الفلسطينية، فإنهم سيحاولون بدون أدنى شك تضييق المفهوم وحتى إفراغه من مضمونه عن طريق اشتراط موافقتهم بسلسلة من الاستثناءات. وقد كان هذا الأمر جلياً في التحفظات التي ربط بها بنيامين نتنياهو موافقته على مبدأ الدولة الفلسطينية عندما ألقى خطابه في جامعة بار-إيلان في حزيران/يونيو 2009، والتي كررها مراراً فيما بعد. والدرس الذي لا بد أن يستخلص هنا هو أنه إذا ما تمكن المفاوض الفلسطيني من الحصول على مبدأ عام يرضيه ظاهرياً، عليه ألا يكتفي بذلك، بل عليه أن يتأكد من أن مضمون المبدأ العام متفق عليه بالتفصيل. وقد يوافق الطرف الفلسطيني على الاستثناء المطلوب وقد لا يوافق. إنما إذا وافق، من الحيوي أن يضيق الاستثناء إلى أبعد الحدود.
لماذا إصرارنا على توضيح المضمون وعدم الاكتفاء بالعموميات؟ لأن إسرائيل، عدا كونها الطرف الأقوى عسكرياً، تحتل الأرض وستحاول، لدى تطبيق أي اتفاق، الاستفادة من أي التباس من أجل فرض مفهومها هي. من جهة أخرى، يجب العودة إلى الممارسة المتبعة في الجولات المتتالية التي شهدتها مفاوضات واشنطن خلال الفترة 1992-1993 عندما استمر الوفد المفاوض خلال أشهر طويلة على الإصرار ـ وعن حق ـ على الاتفاق أولاً على جدول الأعمال، أي على تضمينه الموضوعات (والتعابير الملائمة للدلالة عليها) التي تهمّ الجانب الفلسطيني، مثل موضوع الاستيطان. فالتركيز على جدول الأعمال من سمات المقاربة البنيوية للمفاوضات.
ثمة شرك آخر من الجدير التحذير منه في المسار التفاوضي، وهو ناجم عن المقولة أن «لا شيء موافق عليه قبل الموافقة على كل شيء». فعلى الرغم من أنه لا غنى عن المبدأ، إلا أن الطرف الإسرائيلي، المدعوم أميركياً، كان يستغله للبدء من الصفر في كل جولة والتنصل من أي مواقف إيجابية سابقة. أما الطرف الفلسطيني، فمقابل التلاعب الإسرائيلي بتمديد مفاوضات لا تنتهي، كان لا يحجم عن الاستعداد للتشابك التفاوضي من أجل إثبات حسن نيته أمام الراعي الأميركي، وكان بذلك يكشف مجالات مرونته وتنازلاته الممكنة في قضايا أساسية. ومع أن لا صفة قانونية للتنازلات الممكنة، إلاّ إنها ستُعتبر من المسلمات وكنقطة انطلاق لمزيد من التنازلات إذا ما تجددت المفاوضات وفق الأطر المعهودة حتى الآن.

3- التفاوض حول الحدود

إن التنازلات التي كشفتها وثائق وحدة دعم المفاوضات فيما يخص حدود الدولة الفلسطينية كان أكثرها معروفاً منذ مفاوضات طابا في كانون الأول/ديسمبر 2000 وكانون الثاني/يناير 2001. غير أنه من الضروري إلقاء نظرة على العيوب في المقاربة التفاوضية التي ساهمت في هذا الاستعداد أحادي الجانب للتنازل. نود أن نشير هنا بشكل خاص إلى فكرة تبادل الأراضي التي يقع عليها بعض المستعمرات الكبيرة بأراض من الإقليم الإسرائيلي. المشكلة في المقاربة المعتمدة حتى الآن هي أن المفاوض الفلسطيني لم يوافق على مبدأ التبادل فقط، ولم يحدد مواقع الأراضي الم التي يمكن أن يتنازل عنها (مواقع بعض المستعمرات «الكبيرة»)، فحسب، بل إنه أبدى هذا الاستعداد في الوقت الذي يتسارع فيه النشاط الاستيطاني. المفارقة في هذه المقاربة أنها تشجع إسرائيل على تكثيف نشاطها الاستيطاني، وعلى الإسراع في تشكيل مستعمرات كبيرة لأنها، كما وعد الرئيس الأميركي جورج بوش في نيسان/أبريل 2004، ستكون الكتل الاستيطانية الكبيرة ضمن الإقليم الإسرائيلي. بطبيعة الحال، إن هذا يقودنا إلى أن نستنتج بكل قوة ضرورة سحب مبدأ تبادل الأراضي رسمياً من المرجعية التفاوضية الفلسطينية ما دام الاستيطان مستمراً ولم يُجمَّد.
أما الاقتراح الأميركي المتمثل في الاتفاق السريع على الحدود (خلال ثلاثة أشهر مثلاً) بدلاً من «إضاعة الوقت» في الجدل بشأن الاستيطان، فإنه يحمل خطراً مشابهاً ومخاطر أخرى. فإلى جانب تأجيل موضوع القدس (واستمرار الاستيطان في المدينة وحولها)، يعني هذا الاقتراح ضمناً أن يستمر الاستيطان غربي الخط الذي قد يتفق عليه وتجميده شرقي الخط. والتجربة التفاوضية الفلسطينية علمتنا أنه بعد الاتفاق، إذا ما حدث، ستبدأ إسرائيل في تفسير معنى التجميد بالشكل الذي يرضيها وهي مسيطرة على الأرض. وإذا ما افترضنا أن لا مشكلة في التفسير، سيثير موضوع تفكيك تلك المستعمرات شرقي خط الحدود صعوبات جديدة. فعلى الرغم من أن الطرف الإسرائيلي لن يستطيع رفض مبدأ تفكيك المستعمرات الواقعة ضمن الحدود التي سيتفق عليها للدولة الفلسطينية، فإنه سيتمكن بفضل سيطرته على الأرض من تأجيل التفكيك الفعلي ووضع شروط جديدة للقيام بالتفكيك. إن التجربة التفاوضية الفلسطينية تستوجب ألاّ يتم أي اتفاق حول الحدود إذا استبعد منه منطقة القدس بحجة خصوصيتها، وإذا لم يكن البرنامج الزمني لتفكيك المستعمرات شرقي الحدود جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق بحيث لا يكون هناك حاجة إلى مفاوضات إضافية بشأن الموضوع.

4- صياغة نص الاتفاق

إن تحذيرنا من التوصل إلى اتفاق حول الحدود تتبعه مفاوضات إضافية من أجل تطبيقه مبني على تجربة وثيقة إعلان المبادئ في سنة 1993 والمفاوضات المضنية التي تبعتها من أجل تنفيذها، وهي لم تنفذ حتى الآن. ففي مقابل الحصول على إعلان المبادئ مع نواقصه المعروفة، دفعت القيادة الفلسطينية أثماناً باهظة. فاعترفت رسمياً بإسرائيل، وقبلت بتأجيل الحل الدائم خمس سنوات، وقبلت باستثناءات رئيسية على ولايتها الجغرافية. ثم، لدى تنفيذ إعلان المبادئ، دفعت مرة أخرى أثماناً إضافية للحصول الفعلي على جزء من «البضاعة» الموعودة نفسها. ففي مقابل إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي من المدن (التي لا تشكل سوى تنفيذ جزئي لإعلان المبادئ)، اعترفت القيادة الفلسطينية بالمناطق ب حيث ولايتها وتحركها محدودان، وبالمناطق ج حيث لا ولاية لها (وهي أوسع بأضعاف مضاعفة من الاستثناءات المنصوص عليها في إعلان المبادئ).
إن هذه التجربة المرة توجب أن يكون نص أي اتفاق هو النص الأول والأخير، أي ألاّ يحتاج تنفيذه إلى مفاوضات إضافية. فأي اتفاق بصيغة «إعلان مبادئ للحل الدائم» أو بصيغة «اتفاق إطار للحل الدائم» سيوقع الشعب الفلسطيني وقيادته في التجربة المرة ذاتها. إن المطلوب هو اتفاق يتضمن جميع التفاصيل والتوضيحات الممكنة، ولا يترك ثغرات تسمح للطرف الأقوى بأن يطمح إلى (إساءة) تفسيره خلال مرحلة التنفيذ. من جهة أُخرى، هذا لا يعني عدم الموافقة على ترتيبات مؤقتة أو مرحلية، إنما يعني عدم الموافقة عليها إلاّ إذا تضمن نص الاتفاق جداول زمنية دقيقة ومواعيد نهائية وغير مشروطة. بطبيعة الحال، مهما يكن الحرص على هذه الأمور كلها، من المتوقع أن تطرأ صعوبات وتفسيرات متناقضة خلال التنفيذ. ولذلك، من المهم أيضاً أن يتضمن نص الاتفاق بنداً يحيل أي اختلاف في التفسير في أثناء مرحلة التنفيذ إلى التحكيم الإلزامي وذلك بناءً على طلب أي من الطرفين. وأخيراً، من الضروري أن يولي الاتفاق دوراً معيناً لأطراف ثالثة لضمان التنفيذ.

5- دور الأطراف الثالثة

لقد عانى الجانب الفلسطيني بأن الطرف الثالث الوحيد الذي راعى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية هو حليف إسرائيل وخاضع لابتزازها المستمر. إننا بحاجة إلى أن تجري المفاوضات تحت رعاية رسمية من قبل منظمة مثل منظمة الأمم المتحدة بشخص أمينها العام، أو بدولة محايدة مثل سويسرا، على أن تكون الرعاية ملتزمة بالشرعية الدولية. وقد تتطلب القضايا المدرجة في جدول أعمال المفاوضات التنسيق مع أطراف ثالثة ذات العلاقة، مثل قضية اللاجئين التي تعني كل من الأردن وسورية ولبنان، وخصوصاً أن أي اتفاق مستقر يتطلب تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية في إطار تسوية إقليمية شاملة. كما أن الجانب الفلسطيني بحاجة إلى أطراف ثالثة في وقت تنفيذ الاتفاق، إذا ما تم، على أن يكون دورها مذكوراً بدقة في نص الاتفاق، منها:
- المشاركة في مراقبة الحدود الخارجية، والحدود مع إسرائيل، والمعابر الدولية، عن طريق نشر مراقبين من الدول الثالثة لفترة محددة.
- المشاركة في ضمان الاتفاق وسلامة أراضي الدولة الفلسطينية، من خلال قرار لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبتأييد رسمي صريح من إسرائيل ومصر والأردن.
من الضروري أن يتم اختيار الأطراف الثالثة بحذر، لأن أي طرف ثالث (وليس فقط الولايات المتحدة) يميل إلى جانب الطرف الأقوى في أثناء التنفيذ. ولذلك يجب الحرص على ألاّ يُترك لدول ثالثة تفسير الاتفاق، بل إخضاع التفسير للتحكيم.

نحو مفهوم فلسطيني جديد إزاء المفاوضات

إن الدروس التي استخلصناها حتى الآن تتعلق بأسئلة مثل: كيف يستحسن الإشراف على المفاوضات والتهيئة لها؟ كيف يمكن تجنيد الأرصدة الفلسطينية لمصلحة الموقف التفاوضي؟ كيف نؤمن بيئة تفاوضية مناسبة؟ كيف يمكن مواجهة شراك المسار التفاوضي؟ لقد افترضت كل الدروس والاقتراحات أعلاه، ربما باستثناء تلك المتعلقة بالحدود، أن المفاوضات هي مستمرة بالفعل وستتواصل إلى حين صياغة اتفاقية مقبولة وتوقيعها.
غير أن هذا الافتراض، على الرغم من ضرورته كأداة منهجية، سيكون مضلِلاً إذا فُهم وكأنه يعني أن المفاوضات تشكل بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني «اللعبة الوحيدة في المدينة» كما يدعي الأميركيون والإسرائيليون، أي الدرب الوحيد المسموح له سلوكه لاسترجاع بعض من حقوقه. فأولاً، من الواضح أنه إذا ما اعتمد الفلسطينيون بعضاً من الاقتراحات الواردة هنا (مثل التوصل إلى المصالحة بين حركتي فتح وحماس، التمسك بالقانون الدولي كمبدأ موجه للطرفين، المطالبة بتغيير مكان المفاوضات أو باعتماد جدول أعمال متفق عليه)، عليهم أن يكونوا مستعدين لاحتمال أن يقرر الجانب الإسرائيلي، مدعوماً من واشنطن، ترك قاعة المفاوضات، أو على الأقل عدم التزحزح من تعنته. وثانياً، يحتاج الفلسطينيون، بعد تجربة عقدين من المفاوضات، إلى النظر إلى مستقبلهم من خارج الإطار التفاوضي. وضمن هذا التوجه، أود فيما يلي أن أقترح مفهوماً جديداً للتفاوض الفلسطيني يتضمن شروط العودة إلى طاولة المفاوضات (أو بتعبير آخر، متطلبات التفاوض المسبقة)، وربما ما هو أهم من ذلك، المكانة التي يتوجب إيلاؤها للمفاوضات ضمن النضال الفلسطيني الأوسع.

1-مرجعية المفاوضات

كان من أهم الانتقادات الموجهة إلى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية أنها جرت تحت سقف المبادئ الواردة في رسالة الدعوة الأميركية إلى مؤتمر مدريد في خريف سنة 1991، التي تضمنت التفاوض على ترتيبات مبهمة لحكم ذاتي لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات تنتهي باتفاق على وضع دائم غير محدد المعالم. وبالتالي، كان من المحتم، بحسب الانتقاد ذاته، ألا يتخطى الاتفاق الناتج من هذه المفاوضات السقف المرسوم لها. أمّا خارطة الطريق التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية في نهاية نيسان / أبريل 2003، وعلى افتراض أن الطرفين وافقا عليها (في الحقيقة أرفقت إسرائيل موافقتها بتحفظات ألغت مضمونها عملياً)، فإنها بالغت في تفصيل المحطات على الطريق (وخصوصاً الالتزامات الفلسطينية فيها)، من دون أن توضح معالم المحطة الأخيرة التي ستؤدي إليها هذه الطريق، وذلك على عكس ما يحمله عادة تعبير «خارطة طريق» من دلالة. ويستنتج البعض من تجربة المفاوضات منذ مؤتمر مدريد (بما فيها «أفكار» الرئيس كلينتون بشأن قضايا الحل النهائي في نهاية كانون الأول / ديسمبر 2000) أنه يجب الامتناع من العودة إلى طاولة المفاوضات ما لم ينتزع الجانب الفلسطيني من إسرائيل الموافقة الصريحة وغير الملتبسة على مرجعية تفاوضية توضح نهاية الطريق (مثل دولة فلسطينية على أساس حدود 1967، وعاصمتها القدس، واعتراف إسرائيل بحق العودة...).
إنني مع تعاطفي مع هذا التوجه، أعتقد أنه يجب التمييز بين المرجعية التفاوضية الفلسطينية الداخلية والمرجعية التفاوضية التي يجب الاتفاق عليها مع الجانب الآخر من أجل إحراز تقدم حول الطاولة. فإذا تطابقت الاثنتان، لا يعود هناك حاجة للمفاوضات. بكل تأكيد، يجب السعي لأن تقترب الثانية من الأولى إلى أقصى حد قبل البدء بأية مفاوضات من خلال كافة الوسائل المتاحة، بما فيها العمل الدبلوماسي مع الجهات الدولية المؤثرة، كالأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا. ولكن نظراً إلى أن التوصل إلى مرجعية مشتركة واضحة يتطلب مناقشات وأخذ ورد قبل العودة إلى المفاوضات، من المتوقع أن تصر إسرائيل على إدراج مطالبها في المرجعية قيد المناقشة مقابل موافقتها على المطالب الفلسطينية.
في مثل هذه الحالة، قد يكون من المقبول عدم استبعاد مرجعية مشتركة أقل وضوحاً، شرط ألا تعني موافقة الجانب الفلسطيني عليها وولوجه اللاحق في الحراك التفاوضي تنازلاً عن المرجعية الداخلية الفلسطينية أو انتهاكاً لخطوطه الحمر. فمن الممكن جداً أن يحدث تخطٍ تدريجي للمرجعية المرسومة بدايةً للمفاوضات، بفضل التشابك التفاوضي نفسه وعوامل أُخرى مثل تغييرات إقليمية أو دولية.

2-تجميد الاستيطان

مقابل المرونة النسبية التي يمكن للجانب الفلسطيني أن يبديها بخصوص المرجعية المشتركة للمفاوضات، لا مفر له من الامتناع التام عن العودة إلى التفاوض حول قضايا الحل الدائم دون تجميد كامل للنشاط الاستيطاني، لأن هذا النشاط يشكل خرقاً بالمطلق لأحكام القانون الدولي، ولأنه من الضروري ألا يسمح أن تتحول المفاوضات إلى غطاء لأعمال إسرائيلية أحادية الجانب كالاستيطان. وطبعاً، إن التجميد الذي نقصده هو التجميد المعلن والشامل وغير المشروط للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي، بما فيه مصادرة الأراضي وبناء جدار الفصل. أما القبول، كما كاد أن يحدث في سنتي 2009-2010، بالتجميد الملتبس أي الضمني، أو المؤقت، أو الجزئي، كشرط كاف للعودة إلى المفاوضات، فمن شأنه أن يشكل سيفاً مسلطاً فوق رأس المفاوض الفلسطيني: فإمّا أن يوافق على التنازل المطلوب في أي ملف يجري التداول بشأنه، وإمّا يتصلب، فيعود النشاط الاستيطاني.

3-فتح صفحة جديدة

في مناقشتنا أعلاه للمفاوضات المتعلقة بالحدود، شددنا على ضرورة سحب فكرة تبادل الأراضي من القاموس الفلسطيني طالما لم يتوقف النشاط الاستيطاني بشكل كامل. نود الآن تعميم مثل هذه الفكرة على القضايا التفاوضية الرئيسية جميعها بالدعوة إلى فتح صفحة جديدة في المقاربة التفاوضية الفلسطينية، وإلى طي الصفحة السابقة مع ما جرى فيها من إيماءات بتنازلات ممكنة خرقت الخطوط الحمر الفلسطينية وشجعت إسرائيل على المطالبة بالمزيد. ومن الممكن أن تكون الإشارة إلى جدية هذا التحول ومقداره إعلان الالتزام بإعلان المبادئ لسنة 1993 (وبروتوكول باريس) لا غير، أي من دون الاتفاقات والترتيبات اللاحقة المتمثلة بصورة خاصة في التفريق الإسرائيلي بين مناطق أ وب وج، والتي لم يطبقها الجانب الإسرائيلي أصلاً.

4-لما التفاوض؟

أن المزيج من المرونة والتصلب الذي نقترحه فيما يخص المتطلبات التي تسبق التفاوض مبني على الاقتناع بأن إنجاز البرنامج الوطني الفلسطيني يبقى هدفاً للمدى الطويل، وأن البوصلة التي يجب أن توجه المجتمع السياسي الفلسطيني ليست تسوية مرهونة بالمفاوضات، بل تحقيق المشروع الوطني نفسه. من المرغوب فيه طبعاً أن يتم هذا الانجاز في أسرع وقت ممكن وعن طريق التفاوض، لكن هذه الرغبة تبدو ساذجة في ضوء شهية المحتل لابتلاع المزيد من الأراضي وكونه قوة إقليمية محتلة تساندها أكبر قوة في العالم. من هنا، ثمة حاجة لنزع هالة «القدسية» من المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، أي للتقليل من القيمة التي تعطى للمفاوضات، إن من قبل الذين يرون فيها درب الخلاص الوحيد، أو من قبل الذين يشجبونها بوصفها المصدر الأول للمأزق الفلسطيني. على المجتمع السياسي الفلسطيني أن ينظر إلى العملية التفاوضية (بما فيها متطلبات العودة إلى المفاوضات) كأداة في النضال إلى جانب الأدوات النضالية الأخرى التي يستعان بها من أجل تعديل ميزان القوى لمصلحة القضية الفلسطينية العادلة. ووفق هذا الفهم، أو بالأحرى بفضل تعديل الفهم الساري حتى الآن، لن يعود السؤال حول ولوج أو عدم ولوج الحراك التفاوضي موضوعاً إستراتيجياً، بل يصبح موضوعاً تكتيكياً ظرفياً، خاضعاً لاعتبارات الفائدة والتكلفة.
في ضوء هذا التغيير لمفهوم اللعبة التفاوضية، لن يعود من المناسب اعتبار الحراك التفاوضي كأن هدفه الوحيد هو التوصل إلى اتفاق، وكأن مقياسه الوحيد هو مدى التقدم في سبيل توقيع اتفاق في الأشهر أو السنوات القليلة المقبلة، بل يصبح مقياس نجاح الحراك التفاوضي، كأي حراك دبلوماسي آخر، مدى مساهمته في زيادة الأرصدة الفلسطينية الذاتية والدولية. بكلام آخر، ما يعتبر عادة نجاحاً للمفاوضات (أي تتويجها باتفاق بين الطرفين) قد يعني في ظروف معينة خضوعاً واستسلاماً للقوي، في حين أن الفشل قد يعني صموداً تُقطَف ثماره عاجلاً أو آجلاً.

خاتمة

قد يقال إن «الصفحة الجديدة» التي اقترحنا فتحها في هذه الورقة (متطلبات العودة إلى المفاوضات، وقواعد إدارتها في حال استئنافها) تنطوي على وضع شروط مثالية وتعجيزية أمام الجانب الفلسطيني. من الأكيد أن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة ستكونان مستعدتين في الظروف الحالية لقبول تغيير جذري لقواعد اللعبة التفاوضية كالتي نقترحها. لكن هذه الظروف بالذات (الغطرسة الإسرائيلية؛ النزعة نحو اليمين؛ استمرار الاستيطان بموافقة ضمنية أميركية؛ حصار قطاع غزة...) لم تسمح هي أيضاً للمرونة التي أبداها المفاوض الفلسطيني حتى الآن بأن تؤدي إلى استعداد إسرائيلي للتفاوض الجدي، بل استغلت إسرائيل تنازلات المفاوض الفلسطيني لكسب المزيد من الوقت ولجعلها نقطة انطلاق لتنازلات إضافية في مفاوضات محتملة لاحقة.
إن دعوتنا لتغيير قواعد اللعبة التفاوضية مبنية على كوننا نمتلك أوراقاً تفاوضية ثمينة، شرط إيماننا بقوة هذه الأوراق، وهي تتمثل مثلاً في الاستمرار في البناء المؤسساتي والاجتماعي والاستثمار الاقتصادي والارتباط العنيد بالأرض والتعبئة الشعبية والمقاومة السلمية والعمل على كسب الأصدقاء في العالم. زد إلى ذلك أن التحولات الإقليمية، بما فيها ثورة 25 يناير في مصر، لا بد من أن تقوّي الموقف الفلسطيني شرط أن يكون موقفاً سليماً على مستوى التعامل مع هذه التحولات، وعلى المستوى الداخلي الفلسطيني (بإعادة الوحدة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وبإعادة تركيب النظام السياسي الفلسطيني).
وبالإضافة إلى شروط العودة إلى المفاوضات وقواعد إدارتها، تضمنت هذه الورقة الدعوة إلى اعتبار اللعبة التفاوضية، أي قرار ولوج المفاوضات أو عدم ولوجها، جزءاً من معركة دبلوماسية هدفها تقوية الأرصدة الفلسطينية في سبيل تحقيق البرنامج الوطني. وفي هذا الصدد، أصبح من الضروري أن يكون تحقيق التجميد الكامل للنشاط الاستيطاني على رأس جدول الأعمال الوطني للأشهر والسنوات القليلة المقبلة، وأن تجند اللعبة التفاوضية لهذه الغاية كأولوية قصوى. فنظراً إلى المخاطر الكامنة في القضم المستمر للأرض الفلسطينية، يبقى هذا الجهد الخطوة الأولى التي لم يعد من الممكن القفز فوقها لنيل الاستقلال، حتى إن السؤال الذي بات يواجه الشعب الفلسطيني هو ما إذا لا يزال من الممكن أن تقوم دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة من دون انهيار المشروع الاستيطاني الإسرائيلي نفسه.


(*) باحث فلسطيني، ورئيس لجنة الأبحاث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
(**) قُدمت هذه الورقة في الندوة التي نظمتها المؤسسة في قبرص في 25 و26 شباط/فبراير 2011، بعنوان: "فلسطين: دروس الماضي، تحديات الحاضر، استراتيجيات المستقبل".
---
(1) انظر على سبيل المثال:
Hussein Agha et al., Track-II Diplomacy: Lessons from the Middle East (Cambridge, MA: The MIT Press, 2003); Edy Kaufman et al., Bridging the Divide: Peacebuilding in the Israeli-Palestinian Conflict (Boulder, CO: Lynne Rienner, 2006).
(2) انظر مثلاً خطاب الرئيس بَراك أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2010 في الموقع الإلكتروني:
http://www.whitehouse.gov/the-press-office/2010/09/22/excerpts-president-obamas-remarks-united-nations-general-assembly
وأيضاً خطاب وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أمام الإيباك (AIPAC) جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل في 22 آذار/مارس 2010، في الموقع الإلكتروني:
http://www.aipac.org/PC/webPlayer/mon_clinton10.asp
(3) الوثائق التي جرى تسريبها متوفرة في الموقع الإلكتروني:
http://transparency.aljazeera.net/en/search_english
(4) بالنسبة إلى الخطوط الحمر المتعلقة بموضوع السيادة، انظر مقالتنا في الموقع الإلكتروني:
http://al-shabaka.org/policy-brief/negotiations/how-sovereign-state?page=show


لا يوجد تعليقات

اضف تعليقك

الاسم/الكنية*:
البلد:
البريد الالكتروني *:
التعليق على *:
العنوان :
التعليق *:

developed by InterTech