English
الرئيسية
عن لم لا؟
اسئلة متكررة
إتصل بنا
قواعد النشر
خارطة الموقع
منوعات

ربّي المخ قبل اللحية



حلول طريفة للقضية الفلسطينية



طرح عطاء لإنشاء دولة فلسطين



السيرة العجيبة للتواصل الاجتماعي؟



كنيسة جوجل!



استغفلونا ونحن صغار


هللويا فلسطين: البابا محمود عباس



فكّر خارج الصندوق ... روعة التفكير



المجدرة والمناقيش والمغربية ... أكلات فلسطينية



تسليات علمية



ثورة "سلو" دعوة تمهّل لعالم ذاهب نحو الهاوية


هل تصدق الرياضيّات؟


تمثال إمرأة فلسطينية


خطبة الهندي الأحمر الأخيرة



الجمعية الفلسطينية لتطبيق حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية


رسومات

تنويعات على العلم الفلسطيني



الرئيسية > التعلم >

هل ثمّة عروبة في الكتب المدرسيّة؟

 


نصري الطرزي، الأردن
هناك دلائل كافية تشير إلى مسؤوليّة محتملة (ولو جزئيّة) للكتب المدرسيّة
 في تمييع الوعي العروبيّ وبلبلة الوعي والهويّة بشكل عامّ
 
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن العنف الجامعيّ والعنف المجتمعيّ، وعلّق الكثير من الكتّاب على تدنّي الوعي الجماعيّ وازدياد مشاعر الانتماء لمؤسّسات ما دون الدولة، كالعشيرة والقرية والطائفة. ومّما يسترعي الانتباه أن هذه المظاهر لم تكن مقتصرة على الأردنّ بل تخطّته إلى دول عربيّة أخرى، لا بل برزت في بعض هذه الدول بصورة دمويّة بشعة وصلت إلى حدّ تهديد وحدة الوطن وتماسك المجتمع. وفي ضوء القلق المشروع الذي ينشأ عن الحرص على الوطن والمواطن اكتسبت الدعوة  للمواطنة زخمًا جديدًا؛ فالمواطنة تبنى على أساس الانتماء للوطن وعلى أساس أنّ التوسّط بين الفرد والدولة يتمّ من خلال القانون، لا من خلال الطائفة ولا العشيرة، وهذا ما يمنح الوطن منعة والمجتمع تماسكًا. وقد بدأ بعض الكتّاب أخيرًا بالتركيز على الصلة الوثيقة بين المواطنة والعروبة؛ فالعروبة هي الهويّة التي تمنح القطر تماسكه وفي غيابها يزدهر الانتماء الضيّق وتنتفي المواطنة.
تنطلق هذه المقالة من انحياز مسبق لفكرة العروبة لا بصفتها فكرًا ولا بصفتها سياسة؛ فالعروبة لا تفترض انتماء فكريًّا بعينه كما لا تتطلّب موقفًا سياسيًّا محدّدًا، إذ بالإمكان تناولها عبر أكثر من فكر وتبنّيها من خلال مواقف سياسيّة متباينة. إنّما تنحاز هذه المقالة للعروبة بصفتها هويّة ثقافيّة جامعة وموحِّدة ضروريّة لكلّ الدول العربيّة. وفي هذه الرؤية نوع من الاختلاف مع مفهوم العروبة الذي ساد في أواسط القرن الماضي حين رفعت قوى سياسيّة لواء العروبة وأعطتها محتوى فكريًّا وسياسيًّا وسعت لبناء دولة الوحدة على أنقاض الدولة القطريّة. وبغضّ النظر عن تقييمنا لهذه القوى ولمشروعها فإنّ الصراع الذي دار بينها وبين الدولة القطريّة حدا بهذه الدولة أن تحارب المشروع العروبيّ باللجوء إلى هويّات ومشاريع بديلة؛ فاستحضرت المشروع القطريّ ومشروع تسييس الدين[1].  لكن تبيّن بعد عدّة عقود أنّ سيادة هذين المشروعين في ظلّ غياب العروبة تُدخِل الدول في أزمة هويّة تهدّد بتفتيتها وبإبقائها في حالة من التوتّر الدائم.  ذلك إنّ غياب العروبة بصفتها هويّة ثقافيّة ومشروعًا وطنيًّا يضمّ جميع المواطنين على اختلاف مواقفهم الفكريّة والسياسيّة، يفقد الدولة القطريّة محور تماسكها وينفخ الروح في مكوّناتها الأدنى السابقة عليها: العشيرة، الطائفة، الإثنيّة إلخ... وهكذا يمكن القول إنّ العروبة قد أضحت الآن ضرورة لحماية الدولة القطريّة ذاتها من الانحلال والتفكّك. 
وفي الوقت الذي تمثّل فيه العروبة هويّة، فإن المفهوم الذي نطرحه لها مفهوم إنسانيّ منفتح ينأى بها عن العنصريّة والانغلاق وسياسات الهويّة التي بموجبها يتبنّى المرء موقفًا سياسيًّا بناء على هويّته. كما لا نستصغر شأن نقاش الهويّة فلسفيًّا، فذاك نقاش عميق نكتفي منه بالإشارة إلى أنّ الهويّة ليست ثابتة في الزمان وهي ذات جوانب عدّة لا تختزل في واحد منها.  ولهذا الفهم أثر عمليّ يتمثّل في إدراك العروبة بصفتها ظاهرة متطوّرة متغيّرة لا تقتصر على صورة الماضي المجيد ولا تتحقّق بمحاولة استعادة الأمجاد، فهذه رؤية سلفيّة لا تنتمي للعصر[2].   كما ينجم عن هذا الفهم إدراك أنّ للعربيّ هويّات عدّة تنضوي في إطار هويّته الكبرى العربيّة وأنّ هذه الهويّات تتكامل ولا تتنافر. وبالتالي فإنّ الإسلام والعروبة ليسا في تنافس ولا في تناقض، فالأول دين والثانية هويّة قوميّة، والإسلام بالنسبة للعرب جزء رئيس من هويتهم الحضاريّة مسلمين كانوا أو مسيحييّن أو صابئة أو لا دينيّين. وحتّى عندما نقول إنّ الهويّة القوميّة الجامعة هي العروبة وليس الهويّة الدينيّة فإن هذا لا ينتقص من الإسلام، لأنّه في جانبه الروحيّ عالميّ بلا حدود بعكس العروبة التي تقف عند حدود جغرافيّة محدّدة.
لا نهدف في هذه المقالة إلى الغوص بعيدًا في هذا النقاش، لكنّنا نستحضره لتبيان الأرضيّة التي نقف عليها، إنّها أرضيّة المشروع القوميّ التي يأخذ في الحسبان التنوّع القائم في مجتمعاتنا سياسيًّا وفكريًّا وإثنيًّا إلخ... يمثّل هذا المشروع الأرضيّة المشتركة التي تعبّر عن المصلحة الوطنيّة التي يسعى كلّ تيّار لخدمتها بطريقته وأسلوبه. وفي غياب هذه الأرضيّة أو في ظلّ تراجع الوعي بها يصبح الولاء للعقائد وللأحزاب وللطوائف وللقرية الأصليّة أقوى من الولاء للوطن... وهذه هي الخطوة الأولى نحو التفكك والاحتراب. ونشير في عجالة إلى إيران وتركيا حيث وقف الإسلام السياسيّ على أرضيّة المشروع القوميّ لكلتا الدولتين ولم يحاربه أو ينفيه حتى مع تغيّر شكل الحكم. لكن في الوطن العربيّ، حيث مثّل المشروع القومي تهديدًا للحكومات القطريّة قبل عدّة عقود، فإن السعي الرسميّ كان لتغييب العروبة أو لتطويعها لتخدم المشروع القطريّ (حتى ذلك المتنكّر بزي ولغة قوميّين). وهكذا غابت العروبة عن الإعلام وعن الكتب المدرسية وعن الفنّ والأغاني فنشأ جيل شاب زُيِّف وعيه وما عاد يعي انتماءه القوميّ.
وللدلالة على ما سبق نشير إلى ما كتبه الدكتور بشير نافع[3] من أنّ "عددًا متزايدًا من المصريّين بات يعرّف نفسه من زاوية الانتماء الدينيّ والطائفيّ... وحتى بمعزل عن الهويّة الوطنيّة كليّةً". أما جوزيف مسعد[4] فيشير إلى أنّ "سياسات السادات المعادية للعرب والعروبة والحملة التي بدأها لإزالة صفة العروبة عن مصر (هي ما ساهم في تعزيز النزعة الطائفيّة...) والتجاء أغلبية مسلمي مصر إلى الإسلام كإطار هويّاتي جديد أوسع من حدود مصر وانكفاء مسيحيّيها في هويّة محليّة ضيّقة". أما الياس خوري[5]فيرى أنّ العروبة كانت بالنسبة لبعض المحلّلين سبب الهزيمة في حزيران 1967 فحمَّلت الأنظمةُ العروبةَ المسؤوليّة وارتاحت من التهديد الذي شكّلته لأنظمتها، إلا إنّه يشير إلى ما فات دعاة الانعزاليّة وهو أنّ "الفكرة العربيّة لم تستبدل بالوطنيّات الضيّقة بل بأيديولوجيّة جديدة عابرة للأوطان هي التيّارات الإسلاميّة بتلاوينها المختلفة". أما أمجد ناصر[6] فيشير إلى وجودمناخحاضن للصورالمسبقة، مناخيغذّيه"غيابمشروعواضحللدولةوتردّي الحالةالاقتصاديّةوتدهورالتعليموتفشّيالتعصّبالدينيّ واختراععدوّداخليّللأكثريّةبدلاًمنالعدوّالخارجيّ". باختصار، نجد في الدولة العربيّة الحديثة أنفسنا أمام دولة ينصّ دستورها على المواطنة والمساواة، لكنها في الممارسة العملية تحطّ من شأنهما ولا تثقّف مواطنيها على المواطنة فيغيب الوعي بالعروبة. وفي الوقت ذاته نجد الدساتير العربيّة وهي تنصّ على أن دين الدولة الإسلام ونرى الدولة وهي تتوسّل الشرعيّة الدينيّة، الأمر الذي يسهم أيضًا في غياب الوعي بالعروبة وتتأسّس الإشكالات المشار إليها في ما سبق من سطور وعنوانها أزمة الهويّة[7]
ولو شئنا التأمّل في الوضع الخاصّ بالأردنّ فإنّه من الجدير بنا التوقّف أمام دراسة الدكتور في قسم الاجتماع في الجامعة الأردنية د. موسى اشتيوي والتي أجريت على عيّنة وطنيّة من ألفي شابّ وشابّة دون سنّ الثلاثين ومن كافّة المستويات التعليميّة، وهي المعنونة "الشباب الأردنيّ: الاتّجاهات والقيم والتصوّرات"، وقد نُشرت تفاصيلها في صحف 29 أيّار 2009.   في الدراسة نتائج مقلقة عن قناعة الشباب بإمكانات التغيير الاجتماعيّ ونظرتهم لمستقبلهم والتزامهم بالقوانين وتعاطيهم المخدرات وغير ذلك، لكنّ ما يعنينا في هذه المقالة هو تعريف الشباب لأنفسهم، حيث سئل الشباب عمّا يعتبروه هويّتهم التي تأتي في المقام الأوّل (وبذلك اعترفت الدراسة بأن للهويّة أكثر من جانب، لكنّها سألت عن ذلك الذي بموجبه يعرّف الشاب نفسه)، وقد أتت النتائج على النحو التالي:
الهويّة الأولى
إسلاميّة
أردنيّة
منطقتهم الجغرافيّة
العشيرة
العروبة
النسبة المئويّة
34.1
31.0
8.1
7.6
7.3
الجدول رقم (1): الهويّة التي تأتي في المقام الأوّل عند عيّنة الشباب الأردني وفق دراسة د. موسى اشتيوي
يمكننا قراءة التالي من النسب التي أوردتها الدراسة:
1-   لا يوجد أغلبية واضحة لأيّ هويّة من الهويّات، وهذا بحدّ ذاته أمر مقلق يظهر أنّ لا أرضيّة مشتركة بين أفراد العيّنة. ويزداد هذا القلق إذا درسنا بقية الإجابات عن الأسئلة الأخرى التي تخرج عن نطاق هذه الدراسة.
2-   الهويّة المتعلّقة بالانتماء القوميّ أو القطريّ معًا حازتا على ما يتجاوز 40% بقليل، أي أنّ الهويّات المرتبطة بالدولة وبالهوية القوميّة معًا حازتا على أقلّ من نصف الإجابات. بينما حازت الهوية الدينية (وهي هويّة لا ترتبط بدولة، بل بمعتقد) على ما يزيد على الثلث، أما الهويّة التي تعبّر عن انتماءات أدنى من الدولة فحازت على حوالي 16%. فهل بعد هذا نتساءل عن سبب انتشار العنف الجامعي الذي أنتج أكثر من ثلاثين مشاجرة في العام الماضي وحده؟ 
لن نغوص في الأرقام لنحمّلها أكثر مما تحتمل، وهناك بالطبع أكثر من طريقة لفهم هذه النتائج، لكنّ ما لا يختلف عليه هو ضعف الانتماء للعروبة وزيادة الانتماء لهويّات ما دون الدولة. ونعتقد أنّ هاتين الظاهرتين مترابطتان ونزعم أنّ هذه الصورة تفسّر جانبًا من جوانب العنف والضياع الذي تعيشه قطاعات واسعة من الشباب وهو الذي نعتقد أنّه مهدّد للوطن والمجتمع. بالطبع لا يلام الشباب على إجاباتهم، فهم ضحية وليسوا مذنبين... إنهم ضحايا خطّة محكمة استهدفت تغييب وعيهم وشلّ قدراتهم على الفعل[8]. تضافر في هذه الخطّة الإعلام الرسميّ، والسياسات الحكوميّة (مثل الحجر على اتحادات الطلّاب والأنشطة العامّة)، والكتاب المدرسيّ. ولإقامة الدليل على هذا الزعم، سوف أتناول في الجزء المتبقي من هذه المقالة الكتاب المدرسيّ الأردنيّ لأبيّن أنّه أحد المساهمين في إضعاف الوعي بالعروبة لدى الشباب.
 
تحليل الكتب المدرسية الأردنية
يتمّ تأليف الكتاب المدرسيّ استنادًا إلى وثائق أساسيّة هي: قانون التربية والتعليم لسنة 1994 الذي يحدّد أهداف وفلسفة التربية والتعليم في الأردنّ، والأطر العامّة للمناهج التي تحدّد محاور كلّ مقرّر من المقرّرات التي تدرّس في السنوات الاثنتي عشر ونتاجاته العامّة والخاصّة.
ولغايات كتابة هذا المقال تمّت دراسة هذه الوثائق والكتاب المدرسيّ الذي ألّف على أساسها، كما تم رصد كلّ ما يؤثّر في بناء الوعي بالهويّة في الكتب المدرسيّة في مجالات اللغة العربيّة، التربية الاجتماعيّة والتربية الإسلاميّة. وفيما يلي استعراض لما تمّت ملاحظته فيما يتعلّق بالهويّة وبالعروبة[9]:
 
أولًا: قانون التربية والتعليم
يذكر القانون إنّ فلسفة التربية في المملكة تنبثق من الدستور الأردنيّ والحضارة العربيّة الإسلاميّة ومبادئ الثورة العربيّة الكبرى والتجربة الوطنيّة الأردنيّة وإنّ هذه الفلسفة تتمثّل في مجموعة من الأسس نورد منها ما يتعلّق بالهويّة:
"الإيمان بالمثل العليا للأمّة العربية".
"الأردنّ جزء من الوطن العربيّ والشعب الأردنيّ جزء لا يتجزّأ من الأمّة العربيّة والإسلاميّة".
"الثورة العربيّة الكبرى تعبّر عن طموح الأمّة العربيّة وتطلّعاتها للاستقلال والتحرّر والوحدة والتقدّم".
"التمسّك بعروبة فلسطين وبجميع الأجزاء المغتصبة من الوطن العربيّ والعمل على استردادها".
"القضيّة الفلسطينيّة قضيّة مصيريّة للشعب الأردنيّ، والعدوان الصهيونيّ على فلسطين تحدٍ سياسيّ وعسكريّ وحضاريّ للأمّة العربيّة الإسلاميّة بعامّة والأردنّ بخاصّة".
"الأمّة العربيّة حقيقة تاريخيّة راسخة والوحدة العربيّة ضرورة حيويّة لوجودها وتقدّمها".
"الإسلام نظام فكريّ سلوكيّ يحترم الإنسان ويعلي من مكانة العقل ويحضّ على العلم والعمل والخلق".
"الإسلام نظام قيميّ متكامل يوفّر القيم والمبادئ الصالحة التي تشكّل ضمير الفرد والجماعة".
"تقدّم المجتمع رهن بتنظيم أفراده بما يحفظ المصلحة الوطنيّة والقوميّة".
"المشاركة السياسيّة والاجتماعيّة في إطار النظام الديمقراطيّ حقّ للفرد وواجب عليه إزاء مجتمعه".
وهكذا يتبيّن لنا إنّ القانون يتطلّب من العمليّة التربويّة أن تعزّز الانتماء للعروبة وأن توجّه الطالب للعمل في سبيل هذا الانتماء، فيما يعتبر الدين نظامًا فكريًّا قيميًّا. ويعتبر القانون مرحلة التعليم الأساسيّ بمثابة "قاعدة للتعليم وأساسًا لبناء الوحدة الوطنيّة والقوميّة" تهدف إلى "إعداد المواطن ... ليصبح قادرًا على أن يعرف الحقائق والوقائع الأساسيّة المتعلّقة بتاريخ الأمّة الإسلاميّة والعربيّة والشعب الأردنيّ في عمقه العربيّ والإسلاميّ بوجه خاصّ والإنسانيّ بوجه عامّ" و"أن يحب وطنه ويعتزّ به ويتحمّل المسؤوليّات المترتّبة عليه تجاهه".
أمّا مرحلة التعليم الثانويّ فتهدف إلى تكوين المواطن القادر على أن يعرف واقع أمّته وقضاياها ويعتزّ بانتمائه إليها ويسعى إلى وحدتها وتقدّمها. من ضمن أهداف أخرى كثيرة للمرحلتين.
وقد نصّ القانون على تشكيل مجلس التربية والتعليم برئاسة الوزير وعضويّة ثمانية عشر عضوًا يمثّلون مختلف الفعاليّات الاجتماعيّة ويعيّنون بقرار من مجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير ليقرر بشأن:
1- الخطوط العريضة لمناهج المراحل التعليميّة.
2- مناهج المباحث الدراسيّة.
3- الكتب المدرسيّة المقرّرة وأدلّتها.
 وبذلك فإنّ القانون الواضح يترجم إلى كتب مدرسيّة عن طريق قرارات مجلس التربية وفرق إعداد المناهج (الإطار العام والنتاجات) وفرق التأليف وفرق الإشراف على التأليف. وفي الواقع فإن هذه الكتب وليس الوثائق الأخرى هي التي تقود بشكل رئيسيّ عمل المعلّمين[10] ولهذا يجب التوقّف مليًّا أمام قدرتها على تحقيق أسس فلسفة التربية والتعليم. 
 
ثانيًا: المناهج (الأطر العامّة والخاصّة)
قبل تأليف أيّ كتاب مدرسيّ يتمّ وضع تصوّر لما سوف يدرّس في هذا المبحث عبر السنين في وثيقة تسمى المدى والتتابع، وهي وثيقة تحدّد محاور المادّة وتحدّد ما سيدرّس في كلّ محور عبر سنيّ الدراسة. بعد ذلك يتمّ إعداد النتاجات العامّة والخاصّة في كلّ محور وفي كلّ صف، وتكون هذه الوثيقة بمثابة الدليل الذي يقود مؤلّفي الكتاب عند التأليف، وهي ترد في كتاب خاصّ بكل مبحث بعنوان "الإطار العامّ والنتاجات العامّة والخاصّة لمبحث (كذا)". تبدأ هذه الوثيقة بطرح مسوغات دراسة ذلك المبحث ومن ثم تسرد النتاجات المحوريّة، ثم المحاور. وأخيرًا تتناول نتاجات عامّة للصفّ ونتاجاته الخاصة. وهذه المراحل الثلاث تتم على يد فرق مختلفة بالإضافة إلى وجود فريق للإشراف.
ومن المفترض أن تتجلّى أسس فلسفة التربية في النتاجات وأن تتمّ ترجمتها إلى نتاجات عامّة وخاصّة بكلّ صفّ، أي أنّ على واضعي المناهج أن يكونوا أمينين على فلسفة التربية. لكنّنا إذ نقرأ النتاجات المحوريّة للغة العربيّة والاجتماعيّات نجد أنّ أسس فلسفة التربية المتعلّقة بالهوية والانتماء قد بدأت بالاضمحلال. فالنتاجات التعلّمية المحوريّة لمقرر التربية الوطنيّة والمدنيّة تتضمّن:
"توظيف الأحداث الجارية لتنمية الاعتزاز القومي" 
و"الحفاظ على العادات والتقاليد والقيم العربية الأصيلة والإيجابية في ظل النظام العالمي الجديد والمواءمة بين الأصالة والمعاصرة"
و"الالتزام بالممارسات الإيجابية لتطبيق مفهوم الأردن أولًا قولًا وعملًا". 
ولم يرد أي نتاج آخر يتعلق بالهويّة. 
أما الإطار العام للجغرافيا، ففي الوقت الذي خلا فيه من أيّ هدف يخصّ العروبة والوطن العربيّ فقد كان نتاجه المحوريّ الأوّل: "الإيمان بقدرة الخالق عزّ وجلّ في إبداع الكون وتنظيمه". 
أما في التاريخ فقد وردت نتاجات ثلاثة من أصل أربعة عشر هي:
"إظهار الحسّ الوطنيّ والتمسّك بتراث الوطن والاعتزاز به"،
و"تعرّف تراث الأمّة العربيّة والإسلامية والاعتزاز به"،
و"إدراك أنّ مقاومة الاحتلال والاستعمار بسائر صورهما وأشكالهما حقّ مشروع للشعوب كافة".
من ناحية أخرى، لم يعتقد واضعو المناهج أنّ اللغة العربية يمكن أن تسهم في بناء الوعي بالهويّة والانتماء إلى العروبة وحدّدوا نتاجهم المحوري الأوّل على أنّه:
"توظيف اللغة في التعبير عن مشاعر الإيمان بالله تعالى والارتباط بالقيم العربيّة والإسلاميّة"،
فيما تعلّقت النتاجات الثلاثة الباقية بمهارات الاتّصال واستخدام اللغة الفصيحة وتذوّق فنون الأدب. وبهذا أخضعت اللغة للإيمان وصارت وسيلة للتعبير عنه ولم تعد وعاء الفكر ولم تعد مفتاح الهويّة ولا حارسة الذاكرة الوطنيّة.
وهكذا نجد أنّ نتاجات المقرّرَين الأكثر تأثيرًا في صياغة الهويّة العربيّة (اللغة العربيّة والاجتماعيّات) قد جرى صياغتهما في ضوء نتاجات لم تعكس أسس فلسفة التربية بالكامل، فقد انتقى واضعوها بعض أسس هذه الفلسفة وركّزوا عليها وضخّموها وبثّوها في هذه المناهج فيما تجاهلوا أسسًا أخرى أو في أحسن الأحوال لم يبثّوها بالشكل الكافي في هذه الوثائق المركزيّة. وكانت تلك الخطوة الأولى.
 
ثالثًا: الكتب المدرسية
عندما يبدأ فريق التأليف عمله فإنه يسير على هدي النتاجات المحوريّة والعامّة والخاصّة المنصوص عليها في الإطار العامّ ويشرع بوضع الكتاب المدرسيّ الذي سيكون بين أيدي الطلّاب فيضمّنه نصوصًا وأنشطة وتمارين تسهم في تحقيق النتاجات. ومن المعروف أنّ هذه النتاجات الأكاديميّة يمكن أن تتحقّق بأكثر من طريقة وعبر أكثر من نصّ ومن خلال أنشطة ممكنة متنوّعة ومتباينة، وانتقاء هذه النصوص والأنشطة عمليّة تتطلّب تخصّصًا أكاديميًّا (متوفّر عند أعضاء الفرق كافّة) لكنها لا تنفصل عن الخيارات الفكريّة والسياسيّة لهذه الفرق (إلا إذا كان هناك سعي قصديّ للحياد). بكلام آخر، يمكن أن يتحقّق النتاج الأكاديميّ ذاته عبر نصّين مختلفين يسهم كل واحد منهما ببناء موقف أو رأي مختلف، يصل أحيانًا إلى المساهمة بتشكيل الوعي بالهويّة. ويبدو لنا بعد مراجعة المقرّرات المذكورة إنّ المؤلفين يشاركون واضعي المناهج خياراتهم، فقد استمرّوا بتخفيف جرعة العروبة وبزيادة جرعة النص الدينيّ ولو بتصنّع أحيانًا، وكانت هذه الخطوة الثانية التي، باعتقادنا، جعلت هناك هوّة كبيرة بين الكتاب المدرسيّ وأسس فلسفة التربية. وللتدليل على ما نذهب إليه سنتناول المقرّرات الثلاثة واحدًا واحدًا.
 
اللغة العربية:
تم استعراض كتب اللغة العربية للصفوف من الأوّل وحتى العاشر ورُصدت نصوصها وأمثلتها ومواضيع وحداتها وصنّفت إلى مواضيع تتعلّق بالأردن أو بالعروبة والانتماء القوميّ أو مواضيع ذات طابع دينيّ، ومن هذه الوحدات من كان موضوعه دينيًّا بالكامل ومنها من احتوى على إشارات وإحالات دينيّة في النص أو في الأمثلة. وبالطبع كان هناك بعض الوحدات مما لم يندرج تحت أي من هذه التصنيفات فطرح نصوصًا عامّة واكتفى بالمحتوى التقني، وبعضها الآخر (وهو نادر) اندرج في أكثر من تصنيف.  فمثلًا الوحدة التي تناولت موضوعًا عن الأردن في جزء منها وتناولت موضوعًا دينيّا في الجزء الآخر، أو الوحدة التي تناولت القدس تناولًا دينيًّا، تم تصنيفهما تحت عنوانين في آن واحد. ويظهر الجدول (2) النسب المئويّة للوحدات في التصنيف الموصوف أعلاه:
 
الأول
الثاني
الثالث
الرابع
الخامس
السادس
السابع
الثامن
مواضيع دينيّة
19
55
50
60
82
76
63
38
الأردنّ
16
15
25
25
19
13
13
25
مواضيع قوميّة
0
0
10
0
6
0
0
13
الجدول رقم 2: تصنيف وحدات اللغة العربية (نسبة مئوية من وحدات الكتاب).
يظهر الجدول رقم 2 بشكل جليّ أن الطالب لا يتناول العروبة بما ينسجم مع أسس فلسفة التربية، فيما يتناول الأردن بنسبة معقولة[11]. لكن الملاحظ هو غلبة المواضيع الدينيّة أو التناول الدينيّ لمواضيع غير دينيّة أو الإحالات الدينيّة في الأمثلة والتمارين. وفيما يلي ملاحظات محدّدة عن كتب اللغة العربية للصفوف المذكورة مع التأكيد أنّ هذه الملاحظات تقتصر على الهويّة والعروبة كونها موضوع هذه المقالة، ولن يتم التطرق لأيّ ملاحظة أخرى مهما كانت جديّة.
في كلّ الصفوف كان هناك إقحام متكلّف لعشرات الأمثلة والإحالات الدينيّة، فمثلًا بعد النصّ الذي تطرّق لمطار الملكة علياء في الصف الثاني تم إيراد دعاء السفر، وعند سرد قصة سباق الأرنب والسلحفاة في الصفّ ذاته تمّ الاستناد إلى كلمة "وصل" الواردة في النصّ لإيراد مثال عن "صلة" الرحم. لا بأس في المثال، أمّا أن يُطرح هذا الأمر بصفته نشاط يقوم به المسلمون (فقط) فهذا يؤسّس لصورة نمطيّة غير مقبولة.   تتعزّز هذه الصورة عند طرح سؤال في الصف الثالث بعد تعريف القدس كمدينة أسيرة (دون ذكر السجّان): "لمَ يهتمّ المسلمون بالقدس؟" فهل القدس الأسيرة محل اهتمام المسلمين فحسب؟   كما تمّ طرح مواضيع غير دينيّة بلغة وأسلوب ردّ الموضوع إلى الدين أو تناوله تناولًا دينيًّا فمثلًا في المواقع التي تمّ التعرّض فيها لفلسطين في الصف الرابع والسادس والثامن فقد كان الجانب الدينيّ ذا أولويّة في التناول وحتى وحدة هلن كلر في الصف السادس لم تسلم من هذا الأسلوب في التناول. وفيما يلي تعليقات أكثر تحديدًا:
الصفّ الأوّل: عند التطرّق لأهميّة اللغة العربيّة ذكر الكتاب إنّها تنبع من كونها لغة أهل الجنّة ومن كونها لغة القرآن الكريم، ولم يذكر شيئًا عن الوطن أو الهويّة أو الانتماء. ولعل هذا المثال يلخّص جوهر ما جرى في كتب اللغة العربيّة. يبدو إنّ هذه هي الخيارات الفكريّة للمؤلفين وواضعي المناهج، وهذه الخيارات هي التي تنقل للطلبة وكأنّما لا وجهة نظر أخرى.
في الصفّ الرابع تم تناول مواضيع أردنيّة لكنّها تمحورت حول: الشرطة، الجيش، الدفاع المدني، السلام العالمي، الاستثمار... أين التوازن وأين التناسب بين العمر والموضوع؟ 
في الخامس والسادس تم التعرّض لمعركة الكرامة وعبد القادر الحسينيّ لكن في الحالة الأولى لم يذكر الكتاب من كانت الجهة المقابلة (حرب ضد جهة مجهولة) وفي الحالة الثانية لم يتمّ التعرّض بوضوح لقضية فلسطين وكأنما كان الشهيد الحسينيّ مجاهدًا فحسب.
في الصف السابع ورد أوّل ذكر "للأمّة العربيّة الواحدة" وقيل إنّ اللغة العربيّة مهمّة لأنّه "من دونها سيصعب علينا فهم القرآن الكريم".
في الصف الثامن يبدأ تناول اللغة العربية من خلال كتابين الأول بمثابة النصوص والثاني بمثابة القواعد وهذا الأخير يزخر بأمثلة دينيّة أو آيات قرآنيّة على مدى صفحاته كلها وعلى مدى السنوات حتى العاشر.
في الصفّ التاسع هناك مقارنة بين وحدة الهند على الرغم من تعدّد القوميات واللغات فيها وبين فرقة العرب... إنّه أوّل درس يدعو للوحدة العربيّة صراحة لكن النصّ نصٌّ عاطفي لا يبني وعيًا بل يزرع يأسًا. وللمفارقة كنت أراجع هذا الكتاب وفيه وحدة عن الجامعة الأردنيّة وفيه وصف مثاليّ لسمات طلّابها في الوقت الذي كانت إحدى المشاجرات العشائريّة مستعرة فيها! وتساءلت: لماذا لا يتمّ تناول القضايا الحقيقيّة عن الأردن؟ لماذا نكتفي بطرح ندرة المياه ولا نتعرض لكمّ هائل من القضايا ينبغي أن يعالج صراحة؟
باختصار، فإن السمة السائدة في كتب اللغة العربيّة قاطبة هي تديين اللغة في الوقت الذي تُفصل فيه عن وعائها القوميّ. في هذه الكتب ضاعت العلاقة بين الأمّة واللغة وبرزت العلاقة بين الدين واللغة، لا بل اكتسبت اللغة مشروعيتها من الدين فحسب، ولم يقم أيّ اعتبار لمشروعيّتها الناجمة عن كونها لغة قوميّة ولا عن دورها في تحديد الهويّة العربيّة. لم يقل الكتاب للطالب ولا في أيّ مكان "أنت عربيّ".
 
الاجتماعيّات: وتتكوّن من التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية:
يتمّ تناول هذه المواضيع في كتاب واحد حتّى الصفّ الخامس، لكن في السادس وما بعده يتمّ تناولها في ثلاثة كتب منفصلة. لقد تمّ تصنيف المواضيع الواردة في الاجتماعيات بنفس الطريقة التي تمّ فيها تصنيف وحدات اللغة العربيّة، مع اختلاف أنّ التصنيف تمّ على أساس الصفحات وليس الوحدات. وتظهر الأوزان النسبيّة في الجدول رقم (3).
 
الأول
الثاني
الثالث
الرابع
الخامس
الأردنّ
8
45
42
66
54
مواضيع دينيّة
8
12
30
0
24
مواضيع قوميّة
0
0
1
2
0
الجدول 3: تصنيف صفحات الاجتماعيات (نسبة مئوية من الكتاب).
لقد تعذّر استكمال تصنيف الصفحات بعد الصف الخامس لأن الكتب تعدّدت وصارت مختصّة، لكنه كان بالإمكان التعليق على كيفيّة تناول المواضيع. يتّضح من الجدول رقم (3) أنّ المواضيع العربيّة العامّة شبه غائبة عن الاجتماعيّات حتّى الصفّ الخامس؛ فلم تتعرّض هذه الكتب للهويّة العربيّة صراحة واكتفت باستخدام كلمة "وطني" أو "بلدي" للدلالة على الأردنّ، ولم تتعرّض لانتماء الطالب للعروبة على الرغم من تناولها الدولة الأردنيّة ومؤسّساتها والمجتمع الأردنيّ على مدى كلّ السنوات. وفي الجغرافيا على سبيل المثال، تعاملت هذه الكتب مع مبادئ عامّة وطبّقتها على الأردنّ أساسًا وعلى الوطن العربيّ في بعض الأحيان، لكنّها لم تتطرق للهويّة ولا لمفهوم الوطن العربي ولا لأقطاره.  ولو شئنا إيراد أمثلة محدّدة نشير إلى وجود سطرين فقط في الصف الثالث عن أهميّة الوحدة في مواجهة الأخطار التي تحيط بالوطن العربي وستّة أسطر لا غير عن سايكس بيكو واحتلال فلسطين. أمّا في الصفّ الرابع، ولدى مناقشة "السكّان في الأردن" ورد النصّ التالي: "قد ينتقل بعض الناس نتيجة النزاعات والحروب"، وانتهى الموضوع عند هذا الحد! أمّا في الخامس فيرد مصطلح الوطن العربيّ لكن من دون إيضاح صلة الأردنّ به ومن دون تحديد هويّة الشعب الذي ينتمي إليه، وفي نفس الموقع يطلب النصّ نقاش الدلالات الدينيّة لصورة الحرم المكيّ الشريف والتي وضعت هناك لأنّ الحرم المكيّ يقع في الوطن العربي.  أما في الصفّ التاسع ولدى مناقشة الدولة الأردنيّة ومؤسّساتها ورد سؤال: "ماذا يغلب على الحدود في الوطن العربي؟ هل هي طبيعية أم مصطنعة؟" وتُرِك الأمر للطالب. وفي الصف العاشر تم تناول القضيّة الفلسطينيّة لأوّل مرّة ضمن فصل بعنوان "قضايا عربيّة معاصرة" طرحت فيه القضية الفلسطينيّة جنبًا إلى جنب مع قضايا الصحراء الغربية، وجنوب السودان، والجزر الثلاث. وعلى مدى 11 صفحة من أصل 180 صفحة تكوّن كتاب التاريخ، طُرحت القضيّة بصورة مقتضبة مع التركيز على سلسلة الحروب بين الدول العربيّة وإسرائيل، ولم يُذكر اقتلاع الشعب الفلسطينيّ من أرضه كما لم يتم التعرّض لأيّ شكل من أشكال المقاومة العربيّة بعد عام 1948. ويأمل المرء أن يحفّز هذا النص القصير الطلاب على قراءة مراجع أخرى لأخذ صورة وافية عن القضية الفلسطينيّة.
ومن الملاحظ أنّ الأهواء الفكريّة الخاصّة بالمؤلّفين تسرّبت إلى كتب الاجتماعيّات المدرسيّة أيضًا، فعلى سبيل المثال، ولدى نقاش مسوّغات الثورة العربيّة الكبرى في الصفّ الثالث أشار الكتاب إلى محاربة الدولة العثمانيّة للغة العربيّة "لغة القرآن الكريم"، فكأنّما اضّطهاد العروبة ليس مبرّرًا كافيًا للثورة وكأنّما الاستقلال القوميّ يحتاج إلى تبرير، وكأنّما الاستبداد العثمانيّ مشروع إذا تمسّك بالإسلام، لكنّه لا يعود مشروعًا إذا حارب لغة القرآن (وقد حاول المؤلّفون تبرئة الدولة العثمانيّة بتمرير فكرة أنّ حزب الاتّحاد والترقّي هو المسؤول). أمّا في الصف الرابع، ولدى نقاش الموضوع ذاته ورد تحت عنوان "حقيقة" أن الدولة العثمانيّة "حافظت على الدين الإسلاميّ واللغة العربيّة"، فأيّهما يصدّق الطالب؟ وفي الاجتماعيّات، كما في اللغة العربيّة، نجد غلبة للفكر الدينيّ في النصّ، وليس المقصود مواضيع الصفوف الأولى التي صنّفت تحت العنوان الدينيّ في الجدول 3، فهذه تناولت السيرة النبويّة الشريفة وتاريخ فجر الإسلام، وهذا جزء من التاريخ الذي ينبغي أن يدرسه كلّ عربيّ، بل المقصود هو الإحالات الدينيّة في الوحدات الأخرى التي تتناول مواضيع عامّة.   فمثلًا، تكرّرت ظاهرة الاستشهاد بالنصوص الدينيّة في أكثر من موقع: لدى نقاش عصور ما قبل التاريخ، أو العلاقات الأسريّة، أو حقوق الإنسان وحقوق المرأة، أو الأمن الوطنيّ،  أو حبّ الوطن والمواطنة، أو الإدارة والاقتصاد، أو نشأة اللغة، أو التفكير العلميّ، أو حتى الموقف السياسيّ الأردنيّ. وقد كانت الصلة بين الآية والنصّ المعنيّ ضعيفة وشكليّة في كثير من الأحيان وهدفت في الغالب إلى إعطاء نوع من الشرعيّة أو التأسيس لموضوع أو لموقف. وبذلك تكون الرسالة التي يخلص إليها الطالب هي أنّ لا شرعيّة لموضوع اجتماعيّ إلّا إذا تمّ تأصيله أو تسويغه من خلال الدين، وبهذا لا تتدنى أهميّة الهويّة الوطنيّة والعروبة فحسب، بل يفكّك المنهج العلميّ الذي ينبغي أن يتعلّمه التلاميذ ليصبحوا مؤرّخين أو جغرافيّين أو علماء اجتماع أو سياسيّين في المستقبل. 
باختصار، وعلى الرغم من التركيز على مواضيع أردنية في هذه الكتب، فقد تجاهلت هذه الكتب الانتماء العربيّ للأردن ولم تتناول صراحة مفهوم الوطن العربيّ ولا عرّفت الطالب على وطنه الكبير، وفي الوقت ذاته أكثرت من الاستشهاد بنصوص دينيّة لا علاقة لها بمناهج العلوم الاجتماعيّة.
 
التربية الإسلاميّة:
من الملفت للانتباه أنه في الوقت الذي لم تتطرّق فيه كتب اللغة العربية والاجتماعيّات إلى الهويّة صراحة، فقد تطرّقت كتب التربية الإسلاميّة للموضوع بجرأة كبيرة، ففي كتاب الصفّ الثاني مثلًا خوطب الطفل 54 مرّة في الكتاب بعبارة: "أنا مسلم". ومما لا شكّ فيه أنّ تعرّض الطالب لجملة تحدّد هويّته دون لبس بواقع مرّتين أسبوعيًّا تقريبًا سيترك أثرًا في نفسه وبخاصّة في ظلّ عدم تحديد جوانب أخرى من هويّته في المقرّرات الأخرى.
لن نتطرّق لمحتوى التربية الإسلاميّة فلسنا بصدد نقاش العقائد، بل نحترمها ونجلّها، لكنّ كتب التربية الإسلاميّة تناول محورًا بعنوان "النظام الإسلاميّ والأخلاق الإسلاميّة" ابتداءً من الصفّ الخامس. ويحقّ لنا أن نتساءل: ما علاقة النظام الإسلاميّ بالأخلاق الإسلاميّة؟ وما هو النظام الإسلامي على وجه التحديد؟ تعتبر فلسفة التربية في الأردن من ضمن أسسها ما يلي:
"الإسلام نظام فكريّ سلوكيّ يحترم الإنسان ويعلي من مكانة العقل ويحضّ على العلم والعمل والخلق".
"الإسلام نظام قيميّ متكامل يوفّر القيم والمبادىء الصالحة التي تشكّل ضمير الفرد والجماعة".
فإذا كان التصوّر للنظام الإسلامي تصوّرًا يقصره على القيم والسلوك والفكر، فإنّنا نستطيع أن نفهم ترابطه مع الأخلاق. لكن نظرة مدقّقة في كتب التربية الإسلاميّة في المرحلة المتوسّطة تكشف لنا أن هذا المحور يتطرّق للاقتصاد والقانون (بشقّيه الأحوال المدنيّة والجزائيّ) وللعلاقات الدوليّة والجهاد... أي أنّ واضعي الكتب تجاوزوا تصوّر أسس فلسفة التربية وها هم ينظرون للنظام الإسلاميّ بصفته نظامًا سياسيًّا[12]. فمثلًا، يتناول الكتاب الجهاد في الصفّ الثامن (ويضع على غلاف الوحدة صورة طائرة حربيّة ودبّابة أي أنّ رموز السيادة هي المعنيّة، ولسنا نتحدّث عن فكرة معلّقة بالهواء). ويذكر الكتاب صراحة أن مفهوم الجهاد هو: "الدفاع عن ديار المسلمين، وإزالة الموانع التي تحول دون تبليغ دعوة الإسلام للناس كافّة، وحماية المستضعفين في الأرض"... إذ "لا بد من إزالة الموانع التي تمنع المسلمين من حريّة تبليغ الإسلام للناس جميعا ولو بالقوة، وليكون للناس بعد ذلك حريّة الاختيار". كما يقرّ الكتاب إنّ الجهاد فرض كفاية، إلا إذا اعتدى العدوّ على بلاد المسلمين أو احتلّ جزءًا من بلادهم وعجز أهل البلد عن دفع العدو وردّه...فحينذاك يصبح الجهاد فرض عين على كلّ مسلم. من السهل على طالب في الصفّ الثامن أن يسيء فهم المحاذير والضوابط وبخاصّة إذا وقع تحت تأثير معلّم يتجاوز نصّ الكتاب باتجاهات تحكمها أهواؤه. ألا يؤسّس هذا النص للتطرّف الذي تدعو الدولة ذاتها لمجابهته؟ لماذا لم يرد نصّ بهذا الوضوح لدى التعرّض للقضيّة الفلسطينيّة في الاجتماعيات؟
أمّا في كتاب الصفّ التاسع وبعد التعرّض للحدود، ومن ضمنها قطع يد السارق، وتحت عنوان خصائص الحدود ورد إنّ "العقوبات مقدّرة بالنصّ... ولا يجوز الاجتهاد فيها" كما لا تجوز الوساطة فيها. ونتساءل: كيف يفترض بالطالب تقييم قانون العقوبات الأردنيّ؟ وكيف له أن يقيّم دولته التي لا تقيم الحدود؟ ألا يؤسّس هذا النصّ لفكر تكفير الدولة؟
أما كتاب العاشر فيناقش العلاقات الدوليّة من خلال الآيات فحسب. وهذا تأسيس مجزوء لعلم قائم على الاقتصاد والمصالح والاستراتيجية. كما يناقش الكتاب وضع الأجانب في الدولة الإسلاميّة من منطلق دينيّ وليس من منطلق قانونيّ، مع أنّ الحقوق التي أوردها النص هي ذاتها التي يتمتّع بها أيّ أجنبيّ في أيّ دولة: توفير الأمن والحماية، ممارسة الشعائر، حق التقاضي، الانتفاع بالمرافق العامة، القيام باحواله الشخصيّة، وممارسة أعماله في حدود ما تسمح به الشريعة. وفي هذا النص تمّ تجاهل القانون الأردنيّ والأعراف الدوليّة بشأن حقوق الإقامة وتم التعامل وكأنّ الدين هو المصدر الوحيد للتشريع، وكأنّ القانون تابع للدين (وربما لتفسير محدّد له).
وفي هذا الصفّ كذلك عرض تصوّر للاقتصاد الإسلاميّ ولم يذكر الكتاب فيما إذا كان الاقتصاد في الأردن إسلاميًّا أم لا، لكنّ القليل من التأمّل يظهر التباين بين الصورة التي يطرحها الكتاب والواقع الأردنيّ. فهل لنا أن نتخيل تأثير ذلك على الطالب: دولته تدرّسه الدين وتعرض مكونات النظام الإسلاميّ في كتاب التربية الدينيّة (بكل ما له من مصداقيّة) وهو يلحظ التباين بين هذا الوصف والواقع، ألن يُنتج هذا الأمر أزمة هويّة؟ وفي أحسن الأحوال ألن تكون المحصّلة أنّ الدولة هي التي تدفع بالطلاب إلى حضن تسييس الدين في الوقت الذي تقول لنا فيه فلسفة التربية إن النظام الإسلاميّ قيميّ أخلاقيّ فكريّ!
وهكذا نرى إنّ القناعات الفكريّة للمؤلفين فرضت نفسها في كتب التربية الإسلاميّة كذلك، فطرح تصوّر أقرب إلى الإسلام السياسيّ منه إلى الإسلام العقيديّ أو القيميّ أو الفكريّ. والمدقّق في النصّ يتوجّس من أن يؤدّي هذا التناول بالطلّاب إلى تكفير الدولة أو السعي نحو ما يعتقدونه أسلمة للقوانين، فهذا المحور يؤسّس لرؤية مخالفة لرؤية فلسفة التربية ولرؤية الدولة ذاتها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد تدخلت خيارات المؤلّفين الفكريّة في العلوم والرياضيّات، فهاتان المادتان الأقرب إلى الحياد الفكريّ تمّ التعامل معهما بطريقة أخضعتهما للوعي الدينيّ. فمثلًا، عند تدريس الكسور في الصفّ الرابع وضعت آية المواريث من القرآن الكريم لإظهار ورود الكسور فيها. أمّا في العلوم، فعند دراسة الزلازل تورد آية، وعند دراسة الكسوف تورد آية، وعند دراسة الماء تورد آية وهكذا... لا بل عند إعطاء الطلاب معلومة إضافيّة فإنّها توضع تحت عنوان "وقل ربّ زدني علمًا". وقد يكون هدف المؤلّفين هو إظهار سعة كتاب الله، لكنّ هذه الطريقة لإظهار سعته تنمّ عن خطأين: الأوّل هو في كون المحاولات مفتعلة ولا تدخل في صلب المادّة العلميّة، والثاني هو زرع فكرة أنّ لا شرعيّة لموضوع إلّا إذا ورد في القرآن الكريم، وبهذا يفتح الباب أمام التعامل مع النص الدينيّ وكأنه نصّ علميّ تارة ونصّ تاريخيّ تارة وهكذا. بهذه الطريقة لا يخدم القرآن ولا يخدم المنهج العلميّ. وهنا لا بد أن نشير إلى ملاحظة الدكتور يوسف القرضاوي الذي يورد نصًّا للدكتور محمد درّاز يقول فيه بأنّ لا اشتراك بين العلم والدين في موضوع ما[13]. وبدون الحفاظ على هذا التمايز فإن البشر يُنْزِلون النصّ الدينيّ عن سموّه ويستخدمونه أداة في الصراع الفكريّ والسياسيّ.
 
خاتمة
يمكننا الآن إعادة قراءة النتائج التي أظهرتها دراسة الدكتور موسى شتيوي في ضوء التحليل الوارد أعلاه لنكتشف أنّ هناك دلائل كافية تشير إلى مسؤوليّة محتملة (ولو جزئيّة) للكتب المدرسيّة في تمييع الوعي العروبيّ وبلبلة الوعي والهويّة بشكل عامّ. ولمّا كان جزء من العنف المجتمعيّ والجامعيّ ناجمًا عن العصبيّات على اختلافها، فإنّنا نرى أنّ هناك مسؤوليّة على وزارة التربية ينبغي أن تتصدى لها بسرعة[14]. ولو قال قائل إنّ ما ورد أعلاه لم يقم الدليل على علاقة سببيّة بين الكتاب المدرسيّ والعنف وضياع الهويّة، نقول إنّ العنف الجامعيّ والمجتمعيّ وانتشار مناخات التطرّف والانتماءات السابقة على الدولة تحتّم على المعنيّين تعديل الكتب المدرسيّة في محاولة لاستدراك هذا الأمر.
وفي هذا الصّدد نقترح التالي:
1-   لا ندعو لأكثر من الالتزام بأسس فلسفة التربية والحفاظ على روحها عبر مراحل تأليف الكتاب المدرسي وضمان ألا تتدخّل وجهات نظر المؤلّفين في المحتوى. ونقترح أن يتمّ تقييم الكتب لا من حيث مواءمتها للإطار العامّ فحسب بل من حيث التزامها بروح فلسفة التربية كذلك.
2-   فسح المجال أمام التنويع في الكتاب المدرسيّ، فمن غير المعقول أن يكون هناك كتاب واحد فقط يترجم المنهاج. وبإمكان الوزارة أن تبدأ بتنفيذ ما وعدت به وهو أحادية المنهاج وتعدّدية الكتاب المدرسيّ.   ومن شأن هذا الترتيب أن يفتح الباب لعدة كتب تقرّها الوزارة أو تصادق على تدريسها، الأمر الذي سيشجّع المؤلّفين ودور النشر على تحسين الكتاب المدرسيّ وعلى البحث عن أفضل الكتب التي تحقّق النتاجات التي تقرّها الوزارة.
3-      لا معنى للتطوير التربوي إن ظلّ بعيدًا عن تطوير واقع المعلّمين وعن إقرار حقّ التنظيم النقابيّ للمعلّمين والطلبة. وهنا نرى دورًا لنقابة المعلمين المأمولة في نقاش محتوى الكتب المدرسيّة وإبداء الرأي التقنيّ والميدانيّ فيها، واقتراح التحسينات عليها وعلى المنهاج ذاته. فمن غير المعقول أن نعهد لعشرات آلاف المعلمين تعليم النشء ونأتمنهم عليه فيما لا نستمع لرأيهم فيما يدرّسونه لهم. ومن غير المعقول كذلك أن نطلب من التلاميذ أن يكونوا صنّاع المستقبل فيما لا نسألهم رأيهم عن الكتاب المدرسيّ ونكتفي ببعض استفتاءات خجولة عن الامتحانات.
4-    كلّ هذا سيظلّ فوقيًّا وشكليًّا إذا لم يتحرّك المجتمع ككلّ لرسم السياسات التربويّة. فكما يقال: التربية أهمّ من أن تترك للمختصين!  وليس في هذا انتقاص من جهد المختصّين ودورهم الذي لا غنى عنه، لكن توجّهات التربية، وبالخصوص دورها في تشكيل الوعي والقيم شأن يهمّ الجميع، وينبغي أن يكون خاضعًا لرقابة المجتمع ومؤسّساته المدنيّة.  فالتربية كالخبز؛ ينتجه الخبازون ويأكله الجميع  فلا تترك السياسات المتعلّقة به للخبازين دون غيرهم!
وأختم بنص من أسس فلسفة التربية يصلح لأن يكون نقطة انطلاق: "المشاركة السياسيّة والاجتماعيّة في إطار النظام الديمقراطيّ حقّ للفرد وواجب عليه إزاء مجتمعه".
نصري الطرزي


[1]ينطبق هذا الأمر بمقادير متفاوتة على كل الدول العربية، فحتى تلك التي استلمت فيها القوى المذكورة الحكم لم تكن بمنأى عن صعود المشروع القطري (بغض النظر عن الشعارات) ولا عن محاولات استحضار مشروع تسييس الدين وتسخيره لمصلحة الحكم.
[2] كما لا تقتصر العروبة على الحديث باللغة العربية بل تتطلب وعيًا بها بصفتها هويّة، وهذا الأمر ليس تحصيل حاصل كما يبدو من وجود جماعات متزايدة تتحدّث العربيّة ولا تشعر بأنّ هويتها الأولى هي العروبة.
[3] القدس العربي عدد 512011.
[4] صحيفة الأخبار عدد 612011.
[5] صحيفة القدس العربي عدد 1012011.
[6] القدس العربي عدد 612011.
[7] كتبت هذه المقالة قبل 25 يناير، وقد أتت أحداث مصر لتؤكّد ما ذهبنا إليه؛ فما أن كشف الشباب المصري عن وجه مصر العروبيّ حتى تراجعت الدعوات الطائفيّة الضيّقة، ناهيك عن تكشّف حقائق جديدة مفادها أنّ من ساهم في إخراج مصر عن عروبتها ساهم عن وعي في الانقسام الطائفيّ الحاصل.
[8] انظر الجزء المتعلق بهدر الشباب في مراجعتنا لكتاب الدكتور مصطفى حجازي "الإنسان المهدور" في العدد الثاني من مداد.
[9]عند تحليل المناهج والكتب المدرسية أو عند تدريسها يكوّن المرء رأيًا بشأنها من ناحية المحتوى أو الأسلوب أو التسلسل أو التصميم أو بعض القيم أو غير ذلك. في هذه المقالة لن نتطرّق لأيّ من هذه الملاحظات وسنكتفي بالتركيز على قضايا الهويّة والعروبة فحسب.
[10] هناك خطأ شائع يتمّ بموجبه إطلاق اسم المنهاج على الكتاب المدرسي، وهذا يدلّل على الأولوية التي تولى للكتاب المدرسيّ.
[11] هل يتم تناول الأردنّ عبر نصوص تفي الأردنّ حقّه؟ هل هناك تناسب بين المواضيع المتعلقة بالأردنّ والأعمار التي تطرح أمامها؟ هناك أسئلة كثيرة مشروعة، لكنها خارج إطار هذه الدراسة.
[12] إنّ القول بقيام أيّ نظام سياسيّ على الأخلاق واقتصاره عليها إنما يظهر فهمًا ساذجًا للعلوم السياسيّة بردّها إلى الأخلاق والإيمان.
 
[13] الدين في عصر العلم، دار الفرقان، عمان، 1996.
[14] قد يعترض البعض قائلين إن الكتب المدرسية جديدة ولم تدخل حيز التطبيق إلا قبل حوالي 5 سنوات، لكن النهج المشار إليه في هذه المقالة نهج قديم وجد في الكتب المدرسية السابقة.
لا يوجد تعليقات

اضف تعليقك

الاسم/الكنية*:
البلد:
البريد الالكتروني *:
التعليق على *:
العنوان :
التعليق *:

developed by InterTech