English
الرئيسية
عن لم لا؟
اسئلة متكررة
إتصل بنا
قواعد النشر
خارطة الموقع
منوعات

ربّي المخ قبل اللحية



حلول طريفة للقضية الفلسطينية



طرح عطاء لإنشاء دولة فلسطين



السيرة العجيبة للتواصل الاجتماعي؟



كنيسة جوجل!



استغفلونا ونحن صغار


هللويا فلسطين: البابا محمود عباس



فكّر خارج الصندوق ... روعة التفكير



المجدرة والمناقيش والمغربية ... أكلات فلسطينية



تسليات علمية



ثورة "سلو" دعوة تمهّل لعالم ذاهب نحو الهاوية


هل تصدق الرياضيّات؟


تمثال إمرأة فلسطينية


خطبة الهندي الأحمر الأخيرة



الجمعية الفلسطينية لتطبيق حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية


رسومات

تنويعات على العلم الفلسطيني



الرئيسية > كتب جديدة >

من أجل ورشة تاريخية ثقافية

 

"إذا بقينا مهجوسين بالدفاع والممانعة والاحتجاج والرفض متناسين واقعنا غافلين عن تخلّفنا، مبهورين بسحر الثقافة المسيطرة، مفجوعين بفقدان الغلبة وانحسار أيام العزّ والفخار فإننا لن ننجح في صدّ موجات الثقافة المعولمة"

تقود عولمة الاقتصاد قافلة العولمة حالياً، جارّة وراءها الثقافة. لقد نجح الاقتصاد متضامناً مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة وفي النيل من تعاليها. وطالما أن الثقافة هي نواة الهوية ستبقى خط الدفاع الأخير في مواجهة العولمة لسبب بسيط مؤداه أن الثقافة ظاهرة اجتماعية لا بدّ لها كي تؤتي ثمارها أن تختمر وتنصهر وتتفاعل وتترسخ. فأين هذا كله من سرعة تغيّر السياسات وتسارع حركة الاقتصاد؟

وطالما الأمر كذلك، فأي تهديد تتعرض له الثقافة يستتبع تهديداً للهوية في صميم وجودها، وبمقدار حيوية الثقافة وقدرتها على التجدد والتفاعل تكون الهوية الوطنية أكثر مناعة وغنى وقوّة. وعلى العكس فبمقدار جمودها وتكلّسها تصبح أكثر قابلية للاختراق، فقيرة المناعة وضعيفة الحصانة، وتتعرض بالتالي لخطرالذوبان أو التذويب في كيانات ثقافية أكبر أو أكثر ديناميكية، تستوعبها وتدمجها، أو تستتبعها وتطمس خصوصيتها.

والأدوات المستخدمة في التبادل الثقافي على المستوى العالمي تعلن بشكل صريح عن"موت الأيديولوجيا" وانتصارالتكنولوجيا، وهذا بلا شك إعلان خادع، إذ لا توجد تكنولوجيا محايدة ومتحررة من القيم. وإذا كان المهاتما غاندي قد حذرنا من سياسة بلا مبادئ وتجارة بلا أخلاق، وثروة بلا عمل وتعليم بلا تربية، فها نحن نطأ الألفية الثالثة وخُمسُ بالغينا من الأميين، ونصف صغارنا محرومون من المدارس، وأربعة أخماس عمالتنا مهددة بالبطالة، ومع ذلك تستمرالوعود «المؤدلجة» مع العولمة والتي لا هدف منها إلا أن يتحمّل البؤساء مزيدا من البؤس والقهر انتصاراً لغد ذهبي قادم لا محالة ما إن تستتبّ سلطة قوانين السوق. إنها الأيديولوجيا ترتدي ثوب التكنولوجيا، وتقدّم ديباجة جديدة أكثر تضليلاً للوعي، وأكثر تزييفاً له. إنها عملية «تصفيح» بقشرة مغرية فيها من الإغواء ما يعمي البصيرة عن حقيقة المضمون بدعوى الحداثة والعلم التي تخفي نهم السيطرة والهيمنة واحتكار السوق.

كيف نخرج من هذه الدوامة دون أن نخسر ذاتنا، فلا تذوب أو تُستتبَع أو تنغلق فتتحجر وتقبع في كهف التاريخ وتخسر المستقبل؟
إن موقف رفض الهيمنة والكشف عن آليات التبعية وتشديد الصراع ضدها هوالأرضية التي بدونها لن يكون بمقدورنا بناء دفاعات حضارية فعّالة، على أن هذا وحده غير كافٍ للمشاركة الإيجابية في الحضارة العالمية. إنه موقف يبني متاريس تمنع دخول مؤثرات ثقافية خارجية، وخطورته أنه يفضي إلى الانعزال والتقوقع، ويعيق التفاعل والتجدد، ويدمر إمكانيات الانطلاق والتفتح، وهو من الآليات الدفاعية البسيطة التي تجعلنا أكثر قابلية للسقوط والتداعي. إنه صراع خاسرفي معركة إثبات الوجود وتأكيد الكرامة والاحترام. وسيبقى كذلك إذا لم يترافق معه حراك ثقافي ذاتي باتجاه بلورة حلول جديدة ومبدعة لمشاكلنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أي أن الأمر يتطلب إطلاق ورشة تاريخية لإعادة بناء الذات وتأهيلها لمواجهة العصر بأدوات وآليات جديدة، وليس الاكتفاء بالدفاع عنه والتغزل بمزاياها والاعتزاز بماضيها والتشهير بخصومها.

إن مغادرة حقل الثنائيات التي وقع فكرنا في أسرها هو أحد المفاتيح الأساسية لتجاوز الاختزال المتعسف الذي نمارسه في التعامل مع الظواهر والمستجدات. ثنائية الأصالة والمعاصرة، المثالية والمادية، الذاتية والموضوعية، الفرد والجماعة، الحقائق والقيم، التغيّر والاستقرار، الطوعية والجبرية، العقلانية واللاعقلانية، التعليم والتربية، فضلا عن لائحة تطول عن ثنائيات تشمل وتختزل بشمولها مجمل التحديات التي تواجهنا. وعلى الرغم من أن هذه الثنائيات مفيدة أحياناً كتقسيمات تحليلية، إلا أنها تؤدي غالباً إلى نتيجة سيئة، وهي إخفاء مظاهر الاعتماد المتبادل بين الظواهر. لقد حطمت تكنولوجيا المعلومات الكثير من هذه الثنائيات التي كانت تحجب عنا طيف الرماديات التي اتسع مداها ليشكل فضاءات ترسم مسارات اتصال وتفاعل جديدة في المعنى والمدلول.

وإذا بقينا مهجوسين بالدفاع والممانعة والاحتجاج والرفض متناسين واقعنا غافلين عن تخلّفنا، مبهورين بسحر الثقافة المسيطرة، مفجوعين بفقدان الغلبة وانحسار أيام العزّ والفخار فإننا لن ننجح في صدّ موجات الثقافة المعولمة. ولايمكن أن نربح الصراع إلا بقدر ما نخرج من المواقف السلبية ومواقع ردود الأفعال الطبيعية إلى حالة نعزز فيها شروط التعامل العقلاني والموضوعي والنقدي مع الوافد الثقافي والتكنولوجي، كما مع الذات والتراث والواقع الاجتماعي بكل أبعاده ومفاعيله. ما لم نتجرأ على نقد الذات دون أن يتحول هذا النقد إلى جلْد أو تنكّر، لن يتحقق لنا الدخول في عالم لا يعترف بمن يتخلف عن ركبه.

إن الدفاع الحقيقي عن الهوية لا يتحقق بالمحافظة عليها كما هي، ولكن من خلال إعادة بنائها في سياق جديد يتناسب ومعطيات التطوّرات الهائلة الحادثة في العالم. فالهامشية والانعزال تعززان الاستتباع والتبعية وتؤديان إلى التواكل والركون إلى السهولة في ظلّ الحماية، بينما التنافس لكسب الصراع يدفع إلى تحديد القوى الحيّة في المجتمع، ويرفع مستويات الاقتدار والجودة، ويحسّن الأداء والنوعية، ويفتح آفاق الإبداع والإتقان في معركة بناء الإنسان وتجديد الذات وتحفيز قدراتها. وهوأمر ممكن إذا ما وعينا أن الحضارة الغربية كأية حضارة، هي موضوع بشري ونتاج إنسانيّ قبل كل شيء، ولأنها كذلك فهي نسبية وليست مطلقة أو"نهاية التاريخ". إن ما نحتاجه هو ثورة ثقافية تنهض كفعل تجديد وتنوير من خلال إعادة النظر بكل المنظومات الثقافية الوافدة أو الموروثة، ورفض التقليد لأي منهما، والعمل من خلال منهجية الاستيعاب والتجاوز وعبر الإضافة والإغناء باتجاه تأسيس وعي ثقافي جديد غير مغترب عن روح العصر، أو مستلب الإرادة والفكر بحيث يستطيع أن يستوعب إنجازات الثورة العلمية والثقافية، على نحوما فعلت اليابان وغيرها من دون أن تخسر هويتها وخصوصيتها الثقافية.

من كتاب: سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة. عبد الغني عماد، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.2006. ص 300 – 302

developed by InterTech